في ذكـرى مــولد خيــر البريــة 
التاريخ: 21-3-1438 هـ
الموضوع: معالجات إسلامية


بقلم الشيخ الدكتور/يوسف جمعة سلامة  خطيب المسجد الأقصى المبارك وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق   

www.yousefsalama.com



 

تهفو نفوس المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها دوماً إلى شهر ربيع الأول من كل عام، حيث يتذكرون مولدَ رسولهم محمد – صلى الله عليه وسلم-  ويتدارسون فيما بينهم كيف كان ميلاده – صلى الله عليه وسلم – إشراقاً للوجود وإنارة للبشرية وهداية للإنسانية، هذا النبي الكريم الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى من خلقه، وصنعه على عينه، وأرسله رحمة للعالمين، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(1)، فقد امتاز – صلى الله عليه وسلم- بقلب ينبض بالرحمة والحنان وحب الخير للعالمين، حيث كان- عليه الصلاة والسلام-  يُعامِل بالرحمة الكبير والصغير، بل الإنسان والحيوان .

فبولادته – صلى الله عليه وسلم – وُلدت أمة عظيمة هي أمة الخيرية والوسطية، لتقود العالم وتنشر الفضيلة والعدل والمحبة والمساواة، ومن الجدير بالذكر أن رسولنا – صلى الله عليه وسلم – قد وُلِدَ في زمن اشتدت الحاجة إلى بعثته، حيث طغى الكفر والاستبداد، وكثرت الشرور والآثام، وعكف أكثر الخلق على عبادة الأصنام، فكانت الولادة المباركة إيذاناً بانطلاقة الحق الإلهي المتمثل في دعوة الإسلام التي بُعِثَ بها سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام-، فالصلاة والسلام عليك يا رسول الله، يا من أرسلك الله رحمة للعالمين.

سلام عليك يا سيدي يا رسول الله، أنتَ دعوة سيدنا إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- :{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}(2)، فكنتَ أنت هذه الدعوة، وما أجملها وما أجلها!!

وأنت بشارة أخيك عيسى- عليه الصلاة والسلام- :{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}(3)، فكنتَ أنت يا سيدي يا رسول الله هذه البشارة، ولله در القائل:

البدرُ دونكَ في حُسْنٍ وفي شَرَفِ   

والبحرُ دونكَ في خيرٍ وفي كَرمِ

أخوك عيسى دَعَا ميتاً فقــــــــامَ له 

وأنتَ أَحْيَيْتَ أجيـالاً من العَــدَمِ


 

محمد r رحمة للعالمين

* ومن الخصائص التي خَصَّ الله سبحانه وتعالى بها نبينا – صلى الله عليه وسلم -  أن جعل رسالته رحمة للعالمين، كما في قوله  تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(4)، فرسولنا -صلى الله عليه وسلم -بُعث إلى الناس كافة، كما في قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}(5).

* كما أنه – صلى الله عليه وسلم – خاتم النبيين، لقوله تعالى:{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(6).

* وقد أعطاه الله تعالى سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}(7).

*كما وأعطاه سبحانه وتعالى الكوثر، كما في قوله تعالى:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}(8).

* وأعطاه الله الشفاعة العظمى والمقام المحمود، كما في قوله تعالى:{عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}(9)، بل وأعطاه الله تعالى حتى يرضى، كما في قوله تعالى:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(10).

* وأقسم سبحانه وتعالى بحياته – صلى الله عليه وسلم – ولم يُقْسم بأحدٍ من البشر، كما في قوله تعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}(11).

* كما وجعل سبحانه وتعالى طاعته – صلى الله عليه وسلم – من طاعته،  فقال:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}(12).

* وقد نادى الله سبحانه وتعالى الأنبياء بأسمائهم كقوله تعالى:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}(13)، وقوله سبحانه:{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} (14)، وهكذا مع كثيرٍ من الأنبياء، ولكنه لم يوجه النداء لحبيبه – صلى الله عليه وسلم – باسمه مجرداً، بل ناداه بألقاب التكريم والتشريف والتعظيم، كما في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}(15)، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}(16).

من فضائل النبيr

لقد فَضَّل الله سبحانه وتعالى بعض الأنبياء على بعض، كما في قوله تعالى:{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ }(17).

ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد كلّم سيدنا موسى – عليه الصلاة والسلام - من وراء حجاب، ولكنه في ليلة الإسراء المعراج كلّم نبينا  - صلى الله عليه وسلم - بغير حجاب، كما أن سيدنا  موسى –عليه الصلاة والسلام-  يقول لربه:{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}(18)، والله سبحانه وتعالى قال لنبيه- صلى الله عليه وسلم - :{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}(19)، كما أن سيدنا موسى- عليه الصلاة والسلام-  يقول لربه:{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (20)، والله عز وجل قال لحبيبه- صلى الله عليه وسلم-:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(21).

وعند دراستنا للسيرة النبوية الشريفة نجد أن فضائل رسولنا الأكرم – صلى الله عليه وسلم – لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ومنها:-

*  تفضيله – صلى الله عليه وسلم – على الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام -  ، كما جاء في قوله – صلى الله عليه وسلم - : " فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيتُ جوامعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرعب، وأُحِلَّتْ ليَ الغنائم، وَجُعِلتْ ليَ الأرضُ طهوراً ومسجداً، وَأُرسْلِتُ إلى الخلقِ كافَّة، وخُتم بيَ النبيُّونَ"(22).

* وهو – صلى الله عليه وسلم – الأسوة الحسنة لكل إنسان يرجو الله والفوز بالجنة والنجاة من النار، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(23) فهو الأسوة الحسنة للأب، والجد، والزوج، والمربي، والطبيب، والقائد، وولي الأمر، فهو الرحمة المهداة – صلى الله عليه وسلم - .

* كما أنه – صلى الله عليه وسلم – سَيّدُ البشر يوم القيامة، كما جاء في قوله – صلى الله عليه وسلم - : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أوَّلُ شَافعٍ وأَوَّلُ مُشفَّعٍ ولا فَخْرَ"(24).

*  كما مدح الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم – صلى الله عليه وسلم – بما أكرمه به من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى :{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(25)، وقوله – صلى الله عليه وسلم - : "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ"(26).

صلاة الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله، يا من فَضَّلك الله على العالمين، يا صاحب المقام المحمود والحوض المورود، ومن آتاه الله الفضيلة والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة، يا خاتم الأنبياء والمرسلين.

هذه قبسات من سيرة  نبينا – صلى الله عليه وسلم – الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، فعلينا أن نسير على هديه، ونتبع منهجه، حتى نكون من السعداء في الدنيا والآخرة.

اللهم أحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، واسقنا يا رب من حوضه الشريف شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً، آمين...يا رب العالمين.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الهوامش:  

1- سورة الأنبياء الآية (107).              

2- سورة البقرة الآية(129).                            

3-سورة الصف الآية(6).

4-سورة الأنبياء الآية (107).               

5-سورة سبأ الآية (28).                    

6- سورة الأحزاب الآية (40).      

7- سورة الحجر (87).                       

8- سورة الكوثر الآية (1).                    

9- سورة الإسراء الآية (79).       

 10- سورة الضحى الآية (5).               

11- سورة الحجر الآية (72).                        

12- سورة النساء الآية (80).      

13 – سورة مريم الآية (12).                

14- سورة هود الآية (48).                 

15- سورة المائدة الآية (67).

16 – سورة الأحزاب الآية (45).     

17- سورة البقرة الآية (253).                       

18- سورة طه الآية (25).

19- الشرح الآية (1).                        

20- سورة طه الآية(84).                   

21- سورة الضحى الآية (5).       

22- أخرجه مسلم.                  

23-سورة الأحزاب الآية (21).                      

24- أخرجه أحمد.

25- سورة القلم الآية(4).            

26- أخرجه الطبراني. 



23



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5045