ثمرات التوحيد
التاريخ: 21-3-1438 هـ
الموضوع: مساهمات



   عندما سادت ثقافة عصور التخلف أصبح التوحيد - وهو الركن الركين وقطب الرحى في العقيدة الإسلامية- أقرب منه إلى مباحث لاهوتية ومسائل كلامية لا تبعث على الحركة والإيجابية بل تستغرق الأوقات والجهود في الجدل، بينما المعنى الأصيل للتوحيد هو معنى حي لخدمة المسلم في تعبده لله وخدمة الإسلام وإصلاح الآفاق والأنفس بأحكامه وآدابه، وإذا تجاوزنا التعقيدات الكلامية واستقينا المفاهيم من القرآن والسنة فإن التوحيد يبدو لنا حركة إيجابية تربط المسلم بربه وبغيره من الناس وكذلك بالكون.

  عبد العزيز كحيل




قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[سورة الأنبياء: 25].

علاقة الإنسان بالله:

 إذا صلحت هذه العلاقة وتمتّنت أثمرت الحرية في أبهى صورها، ذلك أن من رضي بالله ربّاً وفهم معنى "لا إله إلا الله" تحرر من جميع قيم الأرض وقيودها وغدا خاضعاً لله وحده محبا له غير مبال بأسباب الرغبة والرهبة إلا ما كان في الله ومنه سبحانه وتعالى.

إن الموحد ليس فيه شركاء متشاكسون إنما هو سلم لواحد وهو الله وبذلك يعيش في طمأنينة تامة لا تتجاذبه تيارات مختلفة ولا تؤرقه شخصية ممزقة، وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إذ قال:" فإن العبودية لله هي عين الحرية "...أجل؛ الموحد حرّ لا يخاف على أجله ولا على رزقه فكيف يذلّ من أجلهما لغير ربه؟ إن هذا التحرر الوجداني الذي تنشئه عقيدة التوحيد يبعث في حياة المسلم طاقة إيجابية هائلة تجعله يعبد ويبني ويصنع الحياة ولا يرهب لقاء الله بل يكون شعاره " الله غايتنا وخير الأيام يوم لقائه "، كما أن التوحيد يتيح للمؤمن مقاييس ربانية وموازين سماوية يحاكم إليها جميع حركاته واختياراته من حبّ وبغض وجمال وقبح وولاء وبراء وعطاء ومنع، ويعمر قلبه بالخوف والرجاء والمراقبة والتوكل والإخلاص ونحوها من القيم الرفيعة التي تجلب رضا الله سبحانه.

 

علاقة  الإنسان بالإنسان

 إذا استشعر المؤمن وحدانية ربه وهيمنته تعالى على الخلق والغرض الذي أنشأهم من أجله كان الأصل في علاقته بغيره من الناس هو الحب والتجاوب والتعاون باعتبار أن الناس لآدم وآدم من تراب بناءً على ذلك الوجدان الحي الحر المطمئن الذي أثمره فيه توحيده لله، وهذا سواء بالنسبة لمجال آصرة العقيدة أو مجال آصرة الإنسانية لأن الأولى وإن كانت أهم وأوثق إلا أنها لا تلغي الثانية ولا تهمشها، لقوله تعالى:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[سورة الممتحنة: 8].

 التوحيد هنا يعني خضوع كل الناس لله تعالى طوعاً أو كرهاً، اختياراً أو قدراً إلى جانب تكليفهم جميعاً بوظيفة الخلافة والعمارة والعبادة، فيغلب على المؤمنين منهم عاطفة المحبة والعطف والشفقة وتنتفي من القلوب الموحدة مشاعر القسوة والغلظة والبغض، ويثمر التوحيد حركة دعوية تتجه نحو الجميع بوصفات علاجية مختلفة تنشر الهداية والإرشاد وتعبيد الناس لله تعالى والتعاون ولو المصلحي لتعمير الأرض وصناعة الحياة، ولا يسع المسلم الواعي بأبعاد عقيدة التوحيد وهو يتعامل مع الأتقياء والمنحرفين والكفار المسالمين سوى أن يكون شعاره ومنطلق عمله قول الله تعالى:

- {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}[سورة الحج:77].

-  {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}[سورة البقرة:83].

-  {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}[سورة المائدة:2].

وحينئذ لا تؤثر فيه التشنجات التي تعتري علاقته بغيره وإنما يوجهها بنفس مطمئنة ونظر بصير فلا تكون عاقبتها بالنسبة له إلا خيرا، أما من كان صدره ضيقاً فهل يمكنه أن يقطع صلته بغيره وهو يعيش معهم في كون فسيح ولكنه واحد؟...ويبقى المسلم مستعليا بإيمانه شامخا بدينه أمام الكفار المعتدين والمتربصين بالإسلام وشريعته وثوابته وأرضه فلا يوالي إلا في الله ويبرأ من كل علاقة مع الكافرين فيها انتقاص لدينه ونبيه وثوابته، لا يبدأ بعدوان ولكن لا يسكت عن عدوان سواء اتخذ شكلا عسكريا أو فكريا أو فنيا أو غير ذلك، قال تعالى:

 - {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[سورة البقرة:194].

 - {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[سورة المنافقون: 8].

- {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[سورة الممتحنة:9].

 

علاقة الإنسان بالكون

ومن ثمرات التوحيد ربط صلة الإنسان بالكائنات جميعاً من حيوان وطير وجماد بل ومخلوقات غيبية في سيمفونية رائعة ربانية المصدر والتوجيه تقضي على خرافة العداء المستحكم بين الإنسان والطبيعة وقهر أحدهما للآخر التي يروج لها الفكر الغربي:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ}[سورة الإسراء:44].

- {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم}[سورة الأنعام:38].

فهو إذاً كون حي مأنوس ودود يتجه إلى الخالق الذي تتجه إليه روح المؤمن، ويتجلى أنس الكون في جبل أحد وهزة الطرب التي اهتزّها لرسول الله وصحبه الثلاثة وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "أحد جبل يحبنا ونحبه" – حديث رواه البخاري ومسلم.

 كما يتجلى إن أردنا أمثلة أخرى في احتضان الكهف للفتية الفارين بدينهم، واحتضان البحر لموسى عليه السلام وهو رضيع مطارد، وفي تجاوب الجبال مع داوود عليه السلام، وتعاون الحجر مع المسلمين وإرشادهم إلى وجود اليهود خلفه..

   إن انسجام الإنسان مع الكون يثمر الراحة والثقة وهدوء النفس واطمئنان السريرة، وهي خصال تجمع بين الجلال والجمال فتشكّل الكمالَ الذي لا يحققه سوى التوحيد، وهكذا ينطلق المؤمن يبتغي الدارين وفق سنن كونية صديقة له وفي محيط مساعد يدعو إلى السعي والبذل والاكتشاف.

  وهذا الذي نقوله في علاقة المسلم بالكون لا علاقة له بالعقائد الباطلة كوحدة الوجود والحلول والإتحاد، فالله عز وجل مستوٍ على عرشه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[سورة الشورى:11]، وجميع المخلوقات عبيد له، يتفاعل معها المسلم باعتبارها مخلوقات مثله لا يحتقرها ولا يعبدها بشكل من الأشكال. 

وهذا جانب موجز من حقيقة التوحيد التي ينبغي أن نفقه أبعادها ونبحث عن ثمراتها في حياتنا ومن حولنا لأنها تعمل باستمرار وعلى أكثر من صعيد...فهي عقيدة للضمير وتفسير للوجود ومنهج للحياة.

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5050