الحلف الروسي ومعركة حلب: انتصار بلون العار!
التاريخ: 21-3-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


لنسمِّ الأشياء بأسمائها: إن انتصار الحلف الروسي في معركة حلب هو انتصار بلون العار، ولكنه انتصار. قد يكون انتصارا في معركة لا حرب، وقد يكون انتصارا حاملا تحت رماده بذور انكسار، ولكنه انتصار. فأهل السياسة قلّما يأبهون بالأخلاق والمبادئ وحقوق الإنسان، وقلّما يبالون بما سوف يحمله لهم المستقبل من المصائب، إذا لاح أمام أعينهم بريقُ المكاسب.

أ.د عبد الملك بومنجل



 

هو انتصار صاحب الهدف الواضح على أصحاب الأهداف الغامضة أحيانا والمتعارضة أحيانا أخرى، وانتصار صاحب الصف الموحّد على أصحاب الصفوف المتفرقة المختلة، وانتصار صاحب الإخلاص لمشروعه أو طائفته على أصحاب المشاريع المترهلة، أو الغايات السخيفة، أو المثالية الخاوية التي تتصور في العدو صورة صديق، وتتوهم في الحقد المعتّق بصيصَ مودّة!

هو انتصار الوحشية على الإنسانية، والاستبداد على الحرية، والبغي المدجج بالقوة على الحق الأعزل المحاصر المخذول.

هو انتصار بلون العار؛ ولكنه العار الذي يلطخنا قبل أن يلطخ أصحابَه. العار الذي يلطّخ العالمَ كلَّه، إذ يشهد على نفاقه ووحشيته، وعلى تواطئه مع الجلاد وخذلانه للضحية، ويشهد على فساد منظومته السياسية الأممية، وأهدافه الاقتصادية والعسكرية العابثة بحقوق الشعوب في الكرامة والحرية والرفاهية؛ كما شهد عليه في القرن الماضي ذلك الصمت اللئيم، والخذلان الوخيم، لشعب البوسنة والهرسك وهو يُذبح ويُباد على أيدي العنصرية الصليبية الحديثة، فلم يتدخل إلا بعد أن اكتملت الجريمة الشنعاء، وسالت شوارع المسلمين أنهارا من الدماء!

وأكثر من يلطّخه العارُ نحن..نحن الذين يسموننا الأمة العربية حينا، والأمة الإسلامية حينا، وأهل السنة والجماعة حينا آخر. أين العروبة، والفرس والروس يُعربدون في شامِنا، تدميرا لمدنها وتقتيلا لأبنائها، ولا نبالي، بل ربما افتخر بعضنا بأن لنا أصدقاء ينجدوننا على إخواننا حال الشدة! وأين الإسلام، وأكثر ما يشغلنا -حكاما ومحكومين- عزُّ المنصب لا عزة الدين، وشهوات الدنيا لا مصالح المسلمين، وما أكثر ما نتواطأ مع أعداء الإسلام الواضحين الصريحين لإلحاق الأذى بأبناء الأمة العاقين منهم والمخلصين!

وأين السنة، وقد رضينا أن يستأسد علينا أعداؤها، وبذَل بعضُنا المال السخي والدعم السياسي والإعلامي القوي، في سبيل القضاء عليها وعلى المنتسبين إليها؟ وأين الجماعة، وما نحن إلا كتل من الأهواء متضاربة، ومن المصالح الشخصية أو السلطوية، أو الحزبية، أو المذهبية، متصارعة، حتى أننا لم نكتف بتفرقنا إلى علمانيين وإسلاميين، فتفرق العلمانيون فِرقا، والإسلاميون مِزَقا، بل تفرقت المِزَق المتفرقة إلى رُقع تستهلك جهدها وعمرها في التراشق السقيم والجدل العقيم!  

 لقد أمسى للشيعة دولة كبيرة تدافع عنهم، وتحفظ مصالحهم، وتجمع شتاتهم، وتشحذ عزائمهم، وتحشو أذهانهم بألوان من الأحقاد والخرافات، وعواطفهم بأطياف من الأحلام لا تقتصر على الهلال الشيعي بل تتعداه إلى احتلال العواصم وتجهيز الأقليات استعدادا لما هو آت؛ وأما السنة فلا دولة تدافع عن أهلها، وإن كثرت الدول المنتسبة حبرا إليها، ولا خطة لمن يتكلمون باسمها، ولا غيرة ولا همّة في جمع طاقات الدول والشعوب في سبيل الحفاظ على المصالح المشتركة والمصير الواحد، حتى والخطر مُحْدقٌ والمكر شديد وأهل السنة يُذبحون من الوريد إلى الوريد!  

هو انتصار بلون العار، ولكنه العار الذي يلطّخ حكامنا وشعوبنا، ضمائرنا وعقولنا، قائمَنا وقاعدنا، عروبيَّنا وإسلاميَّنا ووطنيَّنا.. فالكل مسئول لسبب أو لآخر..

الحكام مسئولون لأنهم مشغولون بأمنهم لا أمن شعوبهم، واستتباب ملكهم لا استمرار وجود أمتهم، وتكاثر ثرواتهم لا استثمار عناصر القوة والنهضة في بلدانهم. يربّون شعوبهم على الخوف والتبعية بدل تربيتهم على الإقدام والشجاعة والحيوية، ويقتلون فيهم عواطف الولاء للدين والقيم والحرية بدل شحنهم بمشاعر الإخلاص لدين هو عنوان وجودهم، وقيم هي عنوان إنسانيتهم، وحرية هي ضمان استمراريتهم؛ فكأنما يقدمون على إخصاء فحولهم تفاديا لاحتمال إقدامهم على مراودة سلطاتهم، جاهلين أو متجاهلين أن عاقبة هذا الأمر انقراض رجالهم، ومن ثم ذهاب سلطانهم: أئذا تسلط الروس أو الفرس عليهم سيبقى لهم شيء من هذا السلطان؟

والشعوب مسئولة لأنها رضيت أن تصدّق ما يُشيعه إعلام أنظمتها من ضرورة استغناء العربي عن حقه حفاظا على أمنه، وكأن الحق والأمن لا يجتمعان. ورضيت أن تُحشر في حيّز ضيق من شؤون الحياة هو المعيشة، وكأننا المعنيون بقول الله تعالى:{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}؛ فالوعي السياسي محدود، والاهتمام بشؤون المسلمين في العالم محصور مكانا في شبر من تراب فلسطين (هو غزة)، وزمانا في ظرف محدد هو العدوان عليها؛ كأن إنسان غزة هو وحده الإنسان الذي يستحق التعاطف، والمسلم الذي يستحق النصرة والتضامن، وأما إنسان اليمن أو العراق أو الشام فلا تعنينا منه أخوة الإنسان ولا أخوة الإسلام، فليفعل به الفرس والروس وكل وحوش العالم ما يشاؤون!       

وضمائرنا مسئولة لأنها ضمرت حتى لم يعد يعنيها أن يُقتَل الشقيق، وتُغتصَبَ الأخت، ويجوّع الأطفال والشيوخ والنساء، وتُدمّر المباني على رؤوس الأحياء الأبرياء، وأن يحصل كل ذلك بطائرات روسية لا يحمل نظامها لشعوبنا غير الكراهية والعداء؛ بل ربما هلل بعضنا لدخول الروس الحرب على الشعب السوري، وأخذ يعدد بابتهاج وفخر أنواع طائراته الفتاكة، وكأنما الروس أحبابُنا، وقد أزعجهم خلافنا وأشفقوا علينا من ضمور روح المقاومة للعدو الصهيوني فينا، فأسرعوا يُنجدوننا بتدمير مدننا وإبادة ساكنيها!

وعقولنا مسئولة لأنها عجزت عن الفهم السليم والقراءة الصحيحة لأحداث الماضي وكوارث الحاضر. فظل كثير منا يرى العدو صديقا والصديق عدوا، يُصدّق خرافات بانَ زيفها ويُكذب حقائقَ لا غبارَ عليها: يرى إيران الصفوية صديقا للعرب لا يكن لهم سوى الود، ويرى "حزب الله" رمزا للمقاومة لا يُهمُّه من امتلاك السلاح سوى أن يُحرر فلسطين، ويرى أن الطريق إلى القدس لابد أن يمر على القصير والغوطة، بل على حمص وحلب، بل على أبعد من ذلك: صنعاء! يُصدّق ذلك حتى من بعد ما تراءى له أن المستهدَف من التسليح والحشد إنما هو أهل السنة لا غيرهم؛ فـ"إسرائيل" آمنة منذ أربعين سنة لم تمسسها دمشق ولا طهران بسوء، وفي الوقت الذي كانت فيه حلب تواجه مصيرها البائس دكّا للمستشفيات وإعداما للمدنيين، كانت طائرات الكيان الصهيوني تضرب أهدافا لها في دمشق بمباركة روسية، فلا تواجَه بردّ ولا حتى بيان استنكار!

عجزت عقولنا عن الإدراك السليم لحقيقة الصراع، والتحليل الصحيح لمعطيات الواقع، فإذا بها تتصور أن الشاغل الوحيد الذي يجدر أن يشغلنا شعوبا وحكومات هو تحرير فلسطين، وأن كل جهد يُبذل في غير هذا السبيل (كالمطالبة بالحرية والكرامة للشعوب العربية ذاتها) هو هدر للطاقة وتشتيت للجهود، متجاهلة أن فلسطين يحررها الأقوياء لا الضعفاء، والأحرار لا العبيد. وأن طريق التحرير الحقيقي هو تحرير أنفسنا أولا، وأنه لا فرق بين فلسطيني يقتله محتلُّه، وسوري أو مصري أو عراقي بريء يقتله نظامُه، متحالفا مع أمريكا أو روسيا أو إيران أو حتى "إسرائيل"!

لم نعد نبالي بأن تُغتَصب أخواتٌ حرائرُ لنا في حمص أو حلب أو الموصل أو الفلوجة، ما دام ذلك يحصل باسم محاربة "داعش" أو مقاتلة "الإرهاب"! لقد وقعت عقولنا وضمائرنا ضحية إرهاب المصطلحات التي تُصنَعُ بعناية في مخابرَ غربية. لقد جمّدت هذه المصطلحات عقولنا وعواطفنا؛ فإذا مررتَ بأخٍ لك يُقتل أو أخت لك تُغتصَب فلا تستنكر ولا تبتئس، فإنما هما إرهابيان أو "داعشيان" يجوز فيهما كل شيء، وإذا استنكرت فإنما هي علامة على أنك "إرهابيٌّ" أو "داعشيّ"!

قمة العار في مأساة حلب أننا لا نكاد نبالي بما حصل لإخواننا من تدمير وتقتيل وتهجير، بل إن بعضنا فرحٌ بانتصار الحلف الروسي على "الإرهاب الإسلامي".. هو العار يلطّخنا ونتحمله جميعا؛ وأما عارُ المنتصرين مؤقّتا فهو عارٌ مدوٍّ ولكنهم لا يشعرون به. سيشعرون به حينما ينهض من تحت الركام "عمر" و"عليٌّ" و"حمزة" و"خالد" و"الحسين" يُعيدون الشامَ إلى أهله، ويدحرون الذين يقتلون الحسين باسم الحسين!.







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5051