حلَــــب... وســــوء الـمنـقـلــــب...
التاريخ: 21-3-1438 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


ماذا نقول -ومنا العلماء، والفقهاء، والصلحاء، والحكماء- ماذا نقول لجحافل الأرامل والحوامل، ممن شردتهن –في حلب- الصواريخ والبرامل، فهن يفترشن الغبراء، ويتلحفن بالعراء؟ 
وماذا يقول الأمراء، والزعماء، والبلغاء، والشعراء، ماذا يقولون لأطفال حلب، زعب الحواصل، ممن فقدوا الماء، والغذاء، والدواء، والكساء، والغطاء، فعيونهم معلقة بالسماء، وما لهم في أرضهم، من حضن ولا إيواء؟
ماذا يقول -تحديداً- حكام الشام لربهم، ولشعبهم، حين يسألون، عن هؤلاء الضحايا، والمشردين، من شيوخ ركع، وأطفال رضع، ونساء خشع، بأي ذنب قتلوا، وتحت أي قانون روّعوا، وزلزلوا؟


ماذا يقول -للتاريخ- حكام الروس، الغزاة، المعتدين، الذين يعبرون بصواريخهم وطياريهم، الحدود، فيشعلوا النار ذات الوقود، ويهدموا المعابد على السجود، تنكيلاً بالعابد وكفراً بالمعبود، ممزقين -بهمجيتهم- كل المواثيق والعهود؟
ويسألونك عن آل العترة، ممن جاءوا من لبنان، ومن إيران، ومن البصرة، للقضاء على أحرار الشام وجيش النصرة، وما لهم من ذنب إلا مخالفتهم في المذهب والفكرة، «أما يخاف هذا الخاذل للمستضعفين، من أن يهلك، يوم يقال يا محمد! إنه ليس من أهلك».
فضحتنا جميعاً -والله- حرب حلب القذرة، فمرّغت أنوفنا في التراب، وجلدت ضمائرنا بالسوط، وسوء العذاب. كلنا مسؤولون عما حدث لسوريا، ويحدث في حلب، وإدلب، وحماة، والرقة، بعضنا بتخاذله، والبعض الآخر بتواطئه، والبعض بأسلحته ومكابرته.
خلطت مأساة حلب، فقه معتقدنا، فلم نعد نتبين الحلال من الحرام. ويكفي أن نفتح أعيننا على مشهد الدماء التي تسيل أنهاراً في شوارع حلب. ويكفي أن نفتح آذاننا لسماع آهات المعذبين، ونداء المستغيثين.. يا رب السماء ! نحن بلا أباء ! نحن بلا غذاء ! نحن بلا ماء ! نحن كأوراق الخريف في الفضاء، فمن ينقذنا من البلاء؟
لقد عم -في حلب- الخراب، وساد -بين الحرائر- الاغتصاب، تحت وطأة السلاح والخراب؟
لقد زلزلت ضمائرنا، الرسالة التي بعثت بها إلى شيوخ الأمة، وإلى شرعيّي الفصائل، وإلى كل من ادّعى -يوماً- أنه يحمل هموم الأمّة العقائدية، بعثت بها فتاة من حلب تقول فيها: 
«أنا إحدى فتيات حلب التي سيتم اغتصابها بعد لحظات، فلم يعد هناك سلاح، ولا رجال تحول بيننا وبين جيوش ما يسمى جيش الوطن !».
وتمضي الفتاة الحليمة الشريفة في خطابها قائلة:
«لا أريد منكم أي شيء... حتى الدعاء لا أريده، فمازلت قادرة على الكلام، وأظن أن دعائي سيكون أصدق مما سيقولون !
كل ما أريده منكم، أن لا تأخذوا مكان الله وتفتوا في مصيري بعد موتي.
أنا سأنتحر، ولا أكترث إن قلتم إنني في النار.
سأنتحر.. لأنني لم أصمد كل تلك السنوات في بيت أبي الذي مات وفي قلبه حرقة على ما ترك. سأنتحر ليس لشيء، بل كي لا يتلذذ بجسدي، بضعة عناصر، كانوا، ومنذ أيام، يخافون نطق اسم حلب. سأنتحر لأن في حلب، قامت القيامة، ولا أعتقد أن هناك جحيماً أقسى من هذا؟
سأنتحر .... وعندما تقرأون هذا، اعلموا أنني مت طاهرة، رغماً عن الجميع».
فأمسك يا قارئي العزيز دموعك من أن تنهمر، ودقات قلبك من أن تتوقف، وشعور ضميرك من أن ينهار.
تصور أن هذه الفتاة ابنتك أو أختك، أو أمك، أو قريبتك.. ماذا سيحدث لك؟
لا تجب عن السؤال، واذكر -فقط- أن الآلاف من أمثالك يواجهون نفس الشعور، والآلاف من أخواتك الحلبيات الحرائر، يواجهن نفس المصير، ولا سلاح يحميهن، ولا رجال ينقذوهن، فليت قومي يعلمون، ويدركون، ويفعلون ! فهل ينفع شيئاً «ليت».
إن هذا هو الجحيم الذي يعيشه سكان حلب ولا سيما الحرائر، وإنه لسوء المنقلب الذي تمليه عليه دروس سوريا بأكملها وحلب.
نحن لا نلوم الروس العلوج، على ما يفعلون، ولكننا نلوم المسلم السني أو الشيعي الذي يُذكي نار جهنم التي تصلى بها فتيات ونساء، وأطفال، وشيوخ حلب.
وماذا تجدي أموالنا، وجيوشنا، وأسلحتنا، إن كانت تجرب في الحرب على بني جلدتنا، وأمامنا أتون جهنم تصلى بها جباه، وجلود أبنائنا وبناتنا في حلب.
فكيف تحولنا إلى جلاميد صخور، وقد كنا أبطال نسور. فقد هزت مشاعر المعتصم، صرخة استغاثة من امرأة مهددة بالاغتصاب، على أيدي عساكر العدو، فصاحت «وا معتصماه !»، فجهز المعتصم جيشاً عَرَمْرَمَ لنجدتها، وكان ذلك، فكيف تبلدت ضمارنا اليوم، وتكلست أعصابنا، فلم نعد نسمع أو نرى، ما يعانيه أبناؤنا، وبناتنا، في كل مكان؟
إن سقوط حلب، لا يعني سقوط سوريا، وإن كسب جولة من الحرب، لا يعني الانتصار في الحرب، ولكننا طالما نبهنا من هذا المنبر، أن حذار، من شر العواقب وسوء المنقلب، مما يحدث في سوريا، وفي اليمن، وفي مصر، وفي ليبيا، وفي العراق، وفي كل شبر من أرض العروبة والإسلام.
فإن النار بالعودين تذكى           
وإن الحرب أولها كلام
إن بالإمكان إصلاح ما هدمته الصواريخ والبراميل من بنيان مادي، ولكن كيف يمكن إصلاح ما هدم من شرف؟ وما دنس من مقدّس؟ ومن خدش من عزة ومن حياء؟
إن مأساة حلب، على ما فيها من قسوة ومن مرارة، قد تكون المنبه الذي يوقظنا من سباتنا، ويبعثنا من مرقدنا، ويعيد إلينا الوعي المفقود.
فلتكن حلب، هي التي بها نستيقظ ولو على صوت الهزيمة، ولكن حذار من تواصل السقوط، هنا وهناك، حتى لا نشقى بحب الوطن، في كل جزء من أجزائه، ويبقى إيماننا الراسخ الذي لا يتزعزع هو أن البقاء للشعوب لا للأشخاص، وللحق لا للظلم، وكما يقول إمامنا عبد الحميد بن باديس: «الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء».


27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5054