أحاديث في الصحيحين: المناهج والمقاصد(2)
التاريخ: 27-3-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


ذكرنا في المقالة السابقة أن الإمام البخاري أخرج حديث أبي هريرة "اللهم فأيما مؤمن سببته، فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة". مجرَّدا من دون سببٍ للورود، وذكره الإمام مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجلان: "فخَلَوا به، فسبّهما ولعنهما وأخرجهما"! ولمسلم -منفردا- أيضا حديث آخر عن معاذ: "سبهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء الله أن يقول..".



 

وللوقوف على ما قد يكون أمارات اختيار عند البخاري يجدر القول بأن الإمام البخاري أخرج في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم -بعد ذكره لأحاديث صفته الخلقية وهيئته وجوده - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص(4/189) " لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا". وأعاد تخريج هذا الحديث في باب مناقب عبد الله بن مسعود:(5/28) وفي باب: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا (8/12) وفي باب: حسن الخلق والسخاء(8/13).

ثم أتبعه بحديث عائشة (4/189): "ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها" ثم أتبعه بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم «أشد حياء من العذراء في خدرها" (4/190).

وفي باب: الرفق في الأمر كله (8/12) أخرج حديث عائشة: " دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قلت: وعليكم " وفي رواية أخرى: ".. مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش..".

وأخرج في باب (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحِّشا) - بعد بابين من باب (الرفق في الأمر كله)- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سبّابا، ولا فحاشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه".

وأخرج بعده حديث عائشة: " أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلّق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيتَ الرجل قلتَ له كذا وكذا، ثم تطلّقتَ في وجهه وانبسطتَ إليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، متى عهدتِني فحّاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره".

ومن الأحاديث السابقة لم يخرج مسلم إلا حديث أبي سعيد (أشد حياء..) وحديث (لم يكن فاحشا ولا متفحشا).

لكنه أخرج حديث أبي هريرة:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّانا" (4/2005) أخرجه من طريقين.

وحديث عن أبي برزة الأسلمي(4/2005)قال: "بينما جارية على ناقة، عليها بعض متاع القوم، إذ بصرت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتضايق بهم الجبل، فقالت: حَلْ (كلمة زجر للإبل) اللهم العنها، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصاحبُنا ناقة عليها لعنة" أخرجه من أربع طرق.

وحديث أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد (متاع) من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل، فدعا خادمه، فكأنه أبطأ عليه، فلعنه، فلما أصبح قالت له أم الدرداء: سمعتك الليلة، لعنت خادمك حين دعوته، فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة" (4/2006) أخرجه من ثلاث طرق.

وفي نفس الموضع أخرج حديث أبي هريرة قال: "..قيل: يا رسول الله ادع على المشركين قال: إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة".

وهذه الأحاديث-التي لم يخرجها البخاري- أخرجها مسلم قبل الأحاديث التي ورد فيها اللعن مباشرة !

ويمكن القول بأننا بإزاء صنيعين لإمامين جليلين، أحدهما-الذي هو البخاري- شيخ للثاني، فأما صنيع التلميذ فهو إخراج حديثين صريحين في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: أحدهما ينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون فاحشا أو متفحشا، والثاني: ينفي أن يكون بُعث لعّانا، لما طُلِب منه أن يدعو على المشركين، وفي المقابل أخرج حديثين صريحين في وقوع السب واللعن والإخراج من البيت !

 

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5056