البصائر في ذكراها الواحدة والثمانين
التاريخ: 27-3-1438 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


في هذا الشهر ديسمبر، يمر على إنشاء جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أكثر من ثمانية عقود، من النضال والمقاومة والجهاد، حيث أنشئت في ديسمبر 1935، بعد محاولات سابقة في سنة 1933 عطلتها الإدارة الاستعمارية: السنة، الشريعة، الصراط.



 

ولسان الحال له قيمته وثقله في علاقته بالواقع؛ لأنه اللسان الذي تنطق به، وتبلغ به، وتحاسب عليه، ولذلك لم تتوقف البصائر منذ انطلاقها ولم تتعطل عن الصدور وأداء مهمتها الإعلامية، إلا مرتين بإرادة من الجمعية، مرة بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي رفضت الجمعية تأييد فرنسا فيها، فأوقفت الجمعية إصدارها حتى لا تضطر للمواجهة في معركة ليست لها ولا عليها، لأن  الحرب أساسها أوروبية وغربية بالدرجة الأولى، والمواقف فيها مضرة غير نافعة، فإذا انتصرت الجمعية للألمان ضد فرنسا لا تنفعها، وإذا انتصرت لفرنسا على الألمان، فإن مناصرة العدو لا "تستقيم سياسيا ولو في الحق"، ومن ثم كان تعطيل الجريدة عن الصدور أفضل الحلول.

والمرة الثانية أوقفتها الجمعية عندما اندلعت الثورة، حيث لم يعد ممكنا استمرار صدورها في ذلك الجو الجهادي الضخم، لا سيما وان الجريدة كانت أسبوعية أي ليست إخبارية، ورسالتها إصلاحية تربوية، لا يمكن أن تنجح في أداء رسالتها في جو الحرب، وقبل ذلك وبعده، فإن أبناء الجمعية سواء القائمين على الجريدة أو الذين كانوا في مدارس الجمعية، كلهم تهيكلوا في الثورة في فروع نشاطها المتنوع، المدني والسياسي والعسكري.

ولم تستأنف البصائر الصدور بعد ذلك إلا بعودة الجمعية مع بداية التسعينيات، ولكن جوهر رسالتها استمر باستمرار نشاط رجالها الذين كانوا فيها من المحررين والمراسلين والكتاب والأدباء...، أمثال أحمد توفيق المدني، أحمد سجنون، أحمد حماني، حمزة بوكوشة، عبد الرحمن شيبان، علي مرحوم، حفناوي هالي، أبو القاسم سعد الله وغيرهم الكثير...، بحيث كل من عرف في البصائر كاتبا لم ينقطع عن العطاء، إلا بالاستشهاد كما هو حال أحمد رضا حوحو، أو الوفاة كما هو حال الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي، أو مغادرة الجزائر كما هو حال عبد الوهاب بن منصور، الذي غادر إلى المغرب ومكث هناك. هؤلاء كانوا أعمدة البصائر البارزين، واصلوا الكتابة  بجهاد الكلمة وصناعتها إلى أن توفاهم الله، ومن بقي منهم استأنفت به البصائر سلسلتيها الثالثة والرابعة.

إن الذين تشربوا لبان البصائر وبقوا على عهدها، إنما ورثوا لسانا، ومنهجا في جهاد الكلمة وصناعتها، فهم الذين –أو على الأقل من الذين-، أسسوا القبس والمعرفة والأصالة والرسالة والعصر والتهذيب وهي المجلات التي كانت تصدرها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في كل مراحلها، إلا التهذيب فقد أصدرتها جمعية القيم، وهم الذين أو من الذين صنعوا الكتاب المدرسي؛ بل هم الذين ومن الذين صنعوا إعلام الثورة ابتداء من كلمات الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في في صوت العرب من القاهرة، إلى جريدة المجاهد التي كان من محرريها عبد الرحمن شيبان ومحمد الميلي.

استأنفت البصائر الصدور برئاسة الشيخ أحمد حماني مع عودة الجمعية إلى النشاط، واستمرت  وهي تجاهد وتكابد وتقاوم، وهي الآن في عددها 838، ولا تزال صامدة رغم التعثر الذي يعتؤيها من حين لآخر، بسبب سوء التوزيع وضعف التمويل وخذلان قواعد الجمعية النضالية التي "لم تتشرف" بالمساهمة في دعم البصائر والحرص على انتشارها، والعمل على الترويج لها وهو من صميم حركة الجمعية وحضورها الفعلي..؛ لأن الحرص على حضور الجمعية بأي شكل من الأشكال، لا بد من أن يبدأ من دخول البصائر إلى كل بيت في الجزائر.. وإذا عجزنا عن ذلك، فسوف نكون عن غيره من الأهداف أعجز، ومن يعجز عن الاشتراك بألف دينار سنويا....، فهو أعجز عن مواكبة غايات الجمعية الدعوية والإصلاحية، وأقولها بكل مرارة لولا بصيص الأمل الذي يشع به علينا بعض الشباب في بعض الولايات، لفقد الأمل، ولعلكم تعجبون إذا قلت لكم إن الجريدة كادت تتوقف بسبب "الفاقة" ولكن الله سلم.

بعض الأمل الذي يبعث في الجريدة الروح من حين لآخر، هو مساهمات بعض الإخوان الذي يمدوننا بجهد من هنا وهناك، متطوعون بلا فرنك ولا فلس، وإنما مساهمة في إنجاح الجريدة لا أكثر، وأول هذه المبادرات المفيدة التي نتمنى لها ان تتطور اكثر، مبادرة أخوات من شعبة عين ولمان بولاية سطيف، بادرن بملحق شهري بعنوان "الفاضلة"، ملحق خاص بقضايا المرأة..، وهناك صفحة تسلية يساهم بها أخونا "عبد الله التلمساني" الذي يطل عليكم كل أسبوع بصفحته "استراحة قارئ"، وهناك ملحق آخر للأطفال لا يزال عالقا نسأل الله أن يفك أسره تقدمت به أخت من الشلف اسمها "وريدة كلوش"، وهذه المبادرات تدخل في المقاومة التي بدأتها البصائر منذ 1991، حيث كانت تصدر الجريدة في بدايتها في 16 صفحة، بسبب قلة اليد، كما تعد هذه المبادرات من مبادرات وصيغ تطوير الجريدة التي يقوم بها التحرير استجابة للتحديات التي يفرضها سوق الإعلام وطموحات أبناء الجمعية...، وبسبب النقص الذي يعيرنا به القاعدون من غير أولي الضرر.

نتمنى على الله من ان ينتبه أبناء الجمعية ان جريدة لسان حال، ليست كأي جريدة، فهي ليست إخبارية ومعلوماتية يمكن الإستغناء عنها بالفايسبوك ومواقع الجرائد والمواقع الإخبارية، وإنما هي جريدة علمائية، ميدان للكلمة الطيبة وتخليدها، وساحة لتدريب الشباب عليها، في خوض غمار على الميدان الفعال، وخزان لمواقف الجمعية وأرائها... وعليه يخطئ من يرى الاستغناء عنها، ويخطئ من يراها تخلفا عن الركب وان زمان الانترنت قد تحاوزها..

 

 



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5061