أحاديث في الصحيحين: المناهج والمقاصد(3)
التاريخ: 6-4-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


هناك حديث ثالث لم أدرجه في هذه المقارنة انفرد بإخراجه مسلم أيضا عن أنس بن مالك، وفيه أنه قال ليتيمة صغيرة عند أم سليم: "..لقد كبِرتِ لا كبِر سِنّك.." وقول أم سليم للنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما جاءته على عجل تستفسر عن حقيقة الواقعة-: " يا نبي الله أَدَعوت على يتيمتي.." فطمأنها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شرط على ربه الشرط الذي سبق أن ذكره في الحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة مقرونا بسبب الورود، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة مجردا من السبب.



 

وأخرج مسلم (4/2010) بعده حديث ابن عباس حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "..اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه.." لكنه حديث آخر، وليس فيه ذكر ما شرطه على ربه.

وكان يمكن الجمع بين ما ظاهره التعارض من هذه الأحاديث في كتاب مسلم وحده فقط بالقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ليس من طبيعته ولا أخلاقه أن يكون لعّانا، أي كثير اللعن، لكن هذا النفي لا يقتضي أن لا يصدر منه شيء من ذلك البتة، وذلك تماشيا مع الطبع البشري الذي أكّده القرآن في أكثر من آية،  وأكّدته أقواله نفسها في أكثر من حديث، أقول: كان يمكن الجمع بهذه الطريقة، استنادا إلى أقوال الأئمّة -لولا أن الصورة التي قد تنطبع في الذهن- من صنيع مسلم- توحي بغير ذلك، فحديثان فيهما اللعن الصريح على مسلمين، وحديثان فيهما دعاء على أشخاص معيّنِين من المسلمين، في مقابل حديث "لم يكن فاحشا ولا متفحشا" وأما الحديث الآخر: "إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة" فالسياق يدلّ على أن الكلام متجه للكفار، ومن طريق الأولى أن لا يتصف بهذه الصفة ضد المسلمين!

وإذا كان لا ينبغي لصدِّيق أن يكون لعّانا، ولا "للمؤمن أن يكون لعانا"-كما أخرجه البخاري في الأدب المفرد (161) والحاكم في المستدرك (1/110) ونقل عن سالم قوله: "وما سمعت ابن عمر لعن شيئا قط"- فمن باب أولى ألا يكون الأنبياء كذلك، وإذا افترضنا الاستثناء المشار إليه عند المؤمنين والأنبياء على السواء فما هي ميزة النبي على المؤمن؟ وإذا كانت الناقة الملعونة ممنوعة من مصاحبة البشر- وهذا يدلّ على أنه لا ينبغي لعن الدواب- فكيف بمن يلعنه النبي صلى الله عليه وسلم من البشر؟ !

قد تكون الحالة المستثناة من الإطلاق والأقرب للقبول من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصدر منه اللّعن حين سلّم عليه اليهود بما سلموا به من سوء، فلو ردّ عليهم بالمثل لاَعْتُبِرَ الأمر في سياق الدفاع عن النفس ضد أشخاص مخالفين كانوا هم البادئين بالإساءة، ولكنه لم يفعل، لبيان مبلغ خلُقه عليه السلام، وأن "الله يحب الرفق في الأمر كله" أفيتصوّر أن يتخلّف هذا المقصد مع مسلمين قصدوا النبي صلى الله عليه وسلم -غالبا- في حاجة من تعلّم أو استفسار، ولم تبدر منهم إساءة واضحة؟ !

وها هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول - فيما أخرجه البخاري في موضعين (4/175) و (9/16)  ومسلم (3/1417)-: " كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه - وهو يمسح الدم عن وجهه- ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

وها هو أبو هريرة رضي الله عنه يقول أيضا- فيما أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع من صحيحه-: "قدم الطفيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال: اللهم اهد دوسا وأتِ بهم" أخرجه البخاري (8/84) في باب (الدعاء للمشركين) وأخرجه مسلم أيضا (4/1957).

الذي أميل إليه في صنيع البخاري- في صحيحه - أنه تجنّب إخراج النصوص التي ورد فيها لعنُ النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المسلمين، أو دعاؤه عليهم، لأنها تشوِّش على ما ثبت له من خلق عظيم خلّده القرآن في حقِّه، ولم يبخل به النبي على المشركين واليهود، وجاءت به أحاديث كثيرة، وكان يمكن الزعم بأنها أحاديث لم ترق إلى شرطه، لو أنه أخرجها في كتاب "الأدب المفرد"، وفيه الصحيح وغيره، وقد رجّح لديّ خلوُّ الكتاب من الأحاديث المشار إليها أنّ البخاري تقصّد الأمر للاعتبارات السابقة، ولو ثبت ما زعمته لكان هذا ملمحا في منهجه، جديرا بالدراسة والمتابعة!




05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5066