قراءة في أهم أحداث 2016
التاريخ: 6-4-1438 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


قراءة الأحداث ليست دائما خاضعة للمصالح وللقوى العظمى تكيفها كما تشاء، وإنما لها وجه آخر تعبر به لمن لا قدرة له على صنع المصالح، ولا يملك من القوة ما يكفيه لمجارات الواقع، فوضع له التاريخ قوانين ومعالم يفهم بها الوقائع منفصلة عن إرادات ومصالح الكبار؛ بل يمكن لهذه القوانين والمعالم أن تكون منطلقات للضعاف والعاجزين أمام هذا الاستبداد الدولي والعجرفة الاستكبارية الظالمة، بعد فهمها في إطارها الزماني والمكاني.



 

 

وأول هذه القوانين والمعالم هو أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب  دونالد ترمب في الولايات المتحدة، هو النتيجة الطبيعية المتناغمة مع الثقافة الغربية، العنصرية الصراعية؛ لأن الفكر الغربي فكر صراع وليس فكر حوار، وفلسفته كما يقول أبو القاسم حاج حمد -رحمه الله-، مبنية على الإيجاد والعدم، وليس على النماء المطرد الذي يخدم الإنسان ويرفض الارتداد، وإذا صحت التسريبات المتعلقة بقاعدة بيانات الانتخابات الرئاسية، يتأكد أن وفاء الغرب لأصوله التي يدعي أنه تجاوزها، وهي التضحية بكلّ شيء من أجل المصلحة الضيقة العاجلة، ومن ثمّ فإنّ انسحاب بريطانيا نتيجة طبيعية لمواقفها المبدئية من الاتحاد نفسه، فهي غير داخلة في تأشيرة "تشنغن"، وعملتها بقيت محافظها على ذاتيتها؛ بل إنها لم تكن متناغمة مع الاتحاد في صيغته القديمة "السوق الأوروبية المتحدة"، التي أنشئت لمواجهة الاقتصاد الأمريكي والياباني، بسبب أنها أقرب إلى الصيغة الأمريكية ثقافة وسلوكا، منها إلى الثقافة الأوروبية، وإن اشتركت معها في الجذور الفكرية والفلسفية، وكذلك فوز ترمب بالرئاسة في أمريكا، رغم عنصريته ولا إنسانيته، التي تعصف بكل ادعاء للديمقراطية والحرية والعدالة، فقد أعاد الولايات المتحدة إلى أصولها الغربية العدو للقيم الإنسانية، ويقال مثل ذلك في كل ما يتعلق بصعود التيار الوطني الغربي المتمثل في اليمين المتطرف.

لا شك أن ذلك لا يتماشى واجتهادات الاتحاد الأوروبي الذي عزز قواعده بإجراءات جديدة لتقوية نفوذه وبناء العلاقات بين أطرافه، لا سيما بعد انسحاب بريطانيا، ولكن ذلك لم يتجاوز غريزة حب البقاء، ولم يرتق إلى الكمال الإنساني المنشود، وإلاّ ما اتفق على إذلال الغير من الشعوب والثقافات ووضعها موضع فئران التجارب.

صحيح أنّ الاتحاد الأوروبي له رئيس، ووضع قوانين تساعده على التقارب بين الدول الأعضاء، إلا أن أول رئيس له وهو هيرمان فان رامبوي المسيحي الديمقراطي كان معارضا لعضوية تركيا في الاتحاد، بحجة أن "تركيا ليست جزءا من أوروبا ولن تكون أبدا جزءا منها"، لأنّ "القيم العالمية السارية في أوروبا والتي هي أيضا قيم أساسية للمسيحية ستفقد قوتها بدخول بلد إسلامي كبير مثل تركيا" على حد تعبيره.

وإذا كانت الغطرسة الغربية توحي بأنها لا تزال هي المرشح الوحيد لقيادة العالم، فإن ما وقع من تفجيرات في بروكسل وفي غيرها من بلاد الغرب، وهو من نتائج السياسة الغربية الممارسة خارج أرضها، وكذلك فشل المحاولة الانقلابية في تركيا في منتصف العام، تبعث على الأمل في المنطقة العربية والإسلامية التي تعيش مخاضا عسيرا..، وإذا كان المتخاذلون ينظرون إلى عالمنا الإسلامي على أنه ساحة لتجارب الغرب وحسب، فإن فشل المحاولة الانقلابية في تركيا وما يحدث في سوريا من مقاومة وصبر شعبي لنظام انتهت صلاحيته، كل ذلك يوحي بإمكانية نهوض الأمة من جديد والقدرة على وضع الغرب في مربعه الذي يستحقه، بشرط أن ترفع الغشاوة عن العيون التي لا تزال ترى في كل حراك شعبي وطني مؤامرة أمريكية، وكأن الشعوب مرشحة للخيانة أكثر منها قادرة على صناعة الأحداث الكبرى!!

إن الاتجاه الشيوعي في مقاومة الغرب، لم ندرك مكانتها في إطار الصراع الدولي إلا بعد سقوط جدار برلين، وقد ذكرنا بذلك الثقل الذي كان من قبل لذلك التيار في الميزان الدولي، رحيل فيدل كاسترو، الذي أدخل نصف الكرة الأرضية الغربي في الحرب الباردة منذ عام 1959، ومن ثم تحدى الولايات المتحدة الأميركية لقرابة نصف القرن، معاصراً لـ11 رئيساً أميركياً، ومسبباً لهم الإزعاج، كما أنه الشخص نفسه الذي دفع العالم إلى حافة الحرب النووية؛ بل كان في صحة متدهورة، ومع ظل كاسترو يقود ويدبر ما يأمل أن يكون استمراراً لثورته الشيوعية منذ أن تنازل عن الحكم في عام 2006 لأخيه الأصغر راؤول كاسترو البالغ من العمر الآن 85 عاماً، ثم ما لبث أن أعلن عن استقالته رسميا من رئاسة كوبا.

ألا يمكن للعالم الإسلامي أن يدخل العالم في السلم أفضل مما فعل كاسترو؟ إن ذلك ممكن ولكن بنظم راشدة تملك من الثقة ما يؤهلها لتعبئة شعوبها لخوض المعارك الكبرى، مثلما فعل أردوغان في ندائه الذي طالب فيه الشعب التركي بالنزول إلى الشارع...، وبشرط أن تكون لنا الثقة في رجالنا ونخبنا الحاكمة والمعارضة... لا أن نعتبر محاولة الانقلاب التركية تمثيلية!! وأمثال محمد مرسي مخبرين لدول أجنبية!!



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5071