هل في سوريا والعراق من درس ؟
التاريخ: 6-4-1438 هـ
الموضوع: كلمة حق


إن مقابلة مظاهرات سلمية بالقمع والتدمير والقتل لا عاقبة له إلى الفساد في الأرض، وسفك الدماء، ورد الفعل، بنشوء جماعات تدافع عن نفسها، وهو ما يسمى بالإرهاب، بلغت الإنسانية نضجها، وأمسكت عن الحروب إلا في هذه المناطق في العالم الإسلامي في وسط العالم.



 

لأن أهله لا يزالون يتمسكون بالسلطة يظنونها أبدية، وأنها من حقهم، وأن التنازل فيها لا يمكن مهما أنكر الشعب مظالمها وثار عليها. كما قال ابن عاشور:

واعلم أن أصل ذي الآفات   حب الرياسة وطرح الآتي

فماذا حصّل عليه صاحب السلطة القامعة ومن يدمر المدن والناس إلا الخراب ولنفسه وللشعب، واحتلال الأجانب لوطنه، والتصرف فيها كأنها أرضهم ومن حقهم التصرف فيها، والتفاوض نيابة عن السلطة التي ترى أنها السلطة الشرعية، وهي لم يبق لها شيء من السلطة الحقيقية إلا الخرائب والموتى والجرحى، وذهاب الثروة، وفساد ما تملك من اقتصاد وغيره، هل تستطيع أن تدفع ثمن ما أخذت من الأسلحة، وما بذله الأجانب من تدمير؟ إذ أنهم سيطالبون بأخذ ديونهم، وبقواعد عسكرية، ومراكز استخبراتية تستعمر البلاد، وتتحكم في مصير العباد.

لم تحصل السلطة في سوريا إلا على هلاك جيشها، ودمار مدنها، وقتل شعب سوريا بما أصابه من كوارث، لحقت الكبار وروعت الأطفال الذين بقوا على قيد الحياة، وفيهم تنتشر الأمراض النفسية والعقلية، كما انتشر العطب والإعاقة.

وماذا كسبت إيران إلا الكراهية في العالم الإسلامي بما ارتكبت ميليشياتها المسلحة، والحرس الثوري انتقاما من الذين لا يذهبون مذهبهم، وحث الإخوة الشيعة في أوطان أخرى عربية وغيرها على الانهماك في القتل واتخاذ شعارات طائفية مثيرة. إن إيران زرعت الكراهية والأشواك في سبيل روح إمبراطورية متخلية عن شعارها في الوحدة الإسلامية والأخوة في الدين، وانتهجت نهجا سياسيا، قصده التوسع الإمبراطوري. طالما كنّا -وأنا شخصيا- مؤيدين للثورة الإسلامية في إيران، واستبشرنا بها أيما استبشار، وقلنا هذا عصر جديد في تاريخ الإسلام، ولكن ما نراه اليوم أخطر مما كان في عهد الشاه من غطرسة، وإن كان لا يستعمل الشعارات الطائفية، ويتجه إلى القومية الفارسية ما قبل الإسلام.

وماذا كسبت روسيا من تخريبها سوريا بالطائرات والأسلحة الفتاكة، التي جربتها في هذا الوطن، إنها خسرت العالم الإسلامي وربحت كراهية لنزعتها الإمبراطورية، كما فعلت أمريكا التي دمرت العراق وما يزال يدمر إلى اليوم بمساعدة إيران، ومليشياتها، وحرسها الثوري، وتقطيع أوصال المجتمع العراقي غروراً مذهبياً، مما يؤدي إلى الطائفية والانقسام والفساد في الأرض، إن العنصر السياسي التوسعي غلب التوجه الإسلامي السليم، والوحدة، والإقلاع الحضاري، ولا أظن أن الإخوان الشيعة كلهم على هذا المنزع المدمر للوحدة والأخوة الإسلامية.

إن هذا التحالف بين موسكو وإيران، وإسرائيل التي تنسق مع موسكو، تحالف مريب يدخل فيه حزب الله الذي يقاتل إخوته السوريين لا يراعي فيهم إلاّ ولا ذمة، ولا يقاتل إلا من لم يكن على مذهبه، فهذه المذهبية الصريحة أفقدته كل ثقة، وكل مصداقية فيما كان يزعم من مقاومة ومدافعة، ذهب هذا كله ذهاب الريح العاصف، وظهر ما كان مضمراً.

وهذه تركيا تحالفت مع موسكو لما أصابها من خذلان أمريكا وأوروبا، وما دبّر لها من انقلاب لأنهم رأوا في اتجاه حزبها ورئيسها اتجاها جديدا حضاريا يخلو من الفساد وطغيان العسكر، فتحسن اقتصادها، ونما، وارتفعت قيمة عملتها، وصلح حكامها، وقل الفساد فيها، وهذا خطر على الغرب حتى لا تقوم للمسلمين قائمة، ولا يتمكنوا من الدخول في عالم الحضارة، وليبقى العالم الإسلامي تحت تصرفهم أمرا ونهيا وذلة، وتخلفا مريعا، لا يرفع له رأسا، ولا يتقدم لا في العلم ولا في التنمية.

بقي الأمل في النخبة الملتزمة من العرب والمسلمين أن تنهض بالعالم الإسلامي بالبحث العلمي، وببناء استراتيجية حضارية تقضي على التخلف، ليدخل العالم الإسلامي عصراً جديداً، وعهداً يخلصه مما يعاني من التخلف الفظيع، والغفلة عما يهيء له مستقبلا يليق بتاريخه الحضاري، وبما يتوفر لديه اليوم من إمكانات بشرية شابة، إذا وجدت سبيلا ومناخا لانطلاق طاقتها العقلية، ومؤهلاتها العلمية، لتجديد الفكر والهمّة الحضارية، وبما يسميه مالك بن نبي رحمه الله الإرادة الحضارية والإمكان الحضاري، لقد حان الأوان أن نعلن إفلاسنا فيما نحن فيه، وأن نبدأ طريقنا بداية تحقق لنا مستقبلنا، بتجديد الفكر والمنهج في كل مجالات حياتنا التربوية، والثقافية، والعلمية، والتنمية البشرية والاقتصادية، وما يسمى اليوم اقتصاد المعرفة.

فأين شبابنا وشاباتنا وطاقتهم الفعالة للسير في طريق الحضارة الإنسانية لفعالية وهمة؟

 

 



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5073