وماذا عن الحصاد العذب؟
التاريخ: 6-4-1438 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


ونحن نرقب فجر إنسانيةٍ جديد، ونتوق إلى بزوغ نجم هاد سعيد، يزيل عن سمائنا المطبات الهوائية، وكل التجاعيد. ألا يحق لنا أن نحلم بحصاد عذب، بعيد عن الضرب والحرب، وقريب من منطق العقل وما يهواه القلب؟

فليس في العالم أتراج وغمّة، كما هو الشأن في عالمنا العربي الإسلامي، نهاره مظلم، وليله مؤلم، بل في العالم أفراح، و"ليال ملاح"، لا يسمع أهله بمعاناتنا، ولا يشاطروننا أنّاتنا وويلاتنا.



ففي مقابل الحصاد المر، الذي رسمناه في عدد سابق من البصائر، ما يفرزه من شرّ، وضرّ، ومن حَرّ وقَرّ، ومن كَرّ وفَرّ؛ هناك حصاد الخير والبر، تمثله إنسانية المؤمن الحر، هذا الذي يبني في السر، ويعلي من الدُّسُر، ويزرع الحب، والصفاء والحياة، وكل ما من شأنه إطالة العمر.

تبارك الذي بيده الملك، أنعم على قوم بالإيمان والإطمئنان، فهم بمنأى عن شياطين الإنس والجان، يعيشون في كنف الأمل والأمان، ويقدمون الحصاد العذب الذي يملأ العقل والجنان.

كما تجلى الله على قوم آخرين بالحرمان من النعمة، وتسليط النقمة، لَمَّا طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، فأشاعوا الظلم والاستبداد، وكانت عاقبتهم، ذلك الحصاد المر، الذي لا يبقي ولا يذر، مبيد للبشر، من كل الفئات والعمر.

وها نحن في جزائرنا الحبيبة، جزائر الشهداء والعلماء، والأصلاء، نكتوي بنيران الفتن والمحن، الملتهبة، على حدودنا، المهددة لاستقرارنا ووجودنا، فنحاول أن نحض الذات، بالأعمال الصالحة، والانجازات، كي نقدم نموذجاً آخر للفهم الصحيح للدين، وحسن التعامل مع المواطنين، وأدب التسامح مع المخالفين، ووضع لبنة التعايش بين الحكَّام والمحكومين.

إنه بالرغم من الغيوم التي تلبد أحيانا النجوم، نحاول أن نزرع الأمل، الذي به نبدد التشاؤم، ونقضي على كل السموم. لقد فقهنا في جمعية العلماء –بحكم التجربة- أن الأزمات الحقيقية لا تصنعها الأسباب الاقتصادية أو السياسية –على أهميتها- ولكن يصنعها –على الخصوص- الخواء الروحي، وتشعل فتنتها، بوادر انعدام القيم وبداية خراب الذمم، والاستهانة بالمقومات الحقيقية لصيانة الأمم.

فما هذه الفقاقيع التي تطفو هنا وهناك على الساحة، تحت عناوين شتى، سواء في شكل تيارات هدامة، أو في شكل دعوات مشؤومة إلى انفصالية موتورة، مذمومة، إن هي إلا نتيجة ضعف التحصين، وهشاشة التمكين، والاستهانة بدور العلماء المخلصين العاملين.

لقد كان المثل الرمزي، الذي قدمناه، يومي 28 و29 ربيع الأول 1438هـ الموافق لـ 28 و29 ديسمبر 2016م، نحت فيه المجلس الوطني الرابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نموذجا للتقييم والتقويم والحصاد العذب المستديم في منهجية أداء المسؤولية، والمحاسبة عليها.

تميز لقاء المجلس الوطني، أولاً، بحضور نوعي لمندوبي الولايات من إليزي إلى تلمسان، ومن ورقلة إلى البويرة، فخلا من الغوغائيين، ومن الصائدين في الماء العكر، لذلك كان النقاش هادئاً، وموضوعياً، دقيقاً وعميقاً، طبعته الشجاعة في إبداء الرأي، والعلمية في النقد البناء، والدماثة في الرد على المنتقدين، دون سب أو ثلب، ودون قدح أو مدح، ولا تقبيح أو تجريح.

قضى المجتمعون، تحت قبة تعاضدية عمال البناء بضواحي العاصمة، بزرالدة، قضوا يومين مليئين بالعمل المستمر، البنّاء، انتهوا فيه إلى رسم آفاق المستقبل، لأم الجمعيات، في ضوء ما تعلقه عليها الأمة من آمال وطموح، لقيادة المجتمع نحو الغد الأفضل، بما يعم البلاد والعباد، من استقرار، وأمن وأمان، وهو نموذج حي، لما يجب أن تكون عليه علاقة الحاكم بالمحكومين، في كيفية أداء الرسالة، وفك النزاعات، والتطلع –بأمان- إلى ما هو آت.

إن نموذجية اللقاء، في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، تصلح لأن تقدم مثلاً في الحصاد العذب، للتقييم والتقويم، على أكثر من صعيد، في نشر ثقافة المسؤولية، والتسامح، وعلاقة الراعي بالرعية.

وإن ما يعانيه عالمنا العربي الإسلامي من أزمات وحروب، وما يتكبده مواطنون من دروب وعرة وكروب، وما يشعر به أبناؤه من ضرورة الهجرة، والهروب، إن هي إلا أعراض لأزمة الحكم، في بلدان آذنت شمسها بالغروب.

ففي أعتاب عالم جديد، تتطلع الإنسانية فيه إلى صبح ينهي الظلمات، ويحل الأزمات، ويقضي على كل أنواع المحن، والتوترات، لا يمكن إلا أن يُخْضِع كل بلد تجربته لمحك التحليل والتعليل، ويسأل كل حاكم وكل مواطن نفسه، بعيداً عن التظليل والتهويل، ما هو الدليل، والمسلك الناجع النبيل، لفتح الأنجع من السبيل؟

لقد سئمت أمتنا، من مرحلة التدليس، والتدنيس، باسم التسييس، واسْتَبدَّ بالمواطنين شعور بالتيئيس من هذا الواقع البئيس. فهل يستيقظ الجميع، من مرحلة الغيبوبة، فيعيدون رسم صورة الإسلام والعروبة، في ظل ما يجب أن يقدم من زرع، ومن حصاد، كله رطوبة، وعذوبة؟

نحن أمة الأمل والعمل، فلا يجد اليأس إلينا سبيلاً، لذلك يجب أن نُشْعل الشموع لتبديد الظلام ويأس الجماهير والجموع، ويجب أن نشمر على ساعد العمل السلمي، الخيري، البناء، لتحقيق التغيير، وتعميم التعمير، وترشيد التسيير، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الإفساد والتبذير.

إن حصاد الحرب، الذي أذاقنا كل هم، وكل كرب، لا يمكن القضاء عليه، إلا بالنبت والحصاد العذب، فالخير يغلب الشر دائماً، مهما خُيّل إلينا أن الشر قد تأصَّل وثبت، لأن سنبلة الخير خصيبة، وعجيبة، فهي قريبة وحبيبة، وكفيلة بأن تبعث الخصوبة والنماء، وتشيع المحبة والإخاء، ونقضي إلى الأبد على كل أنواع الأوبئة والعداء، وما ذلك على الله بعزيز.



27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5074