أحاديث في الصحيحين: المناهج والمقاصد(4)
التاريخ: 12-4-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


أخرج البخاري (9/69) ومسلم (3/1337) عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".



وأخرج البخاري (1/89) ومسلم (1/400) عن عبد الله قال: " صلى النبي صلى الله عليه وسلم...فلماسلم قيل له: يا رسول الله، أحَدَث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب فليتم عليه، ثم ليسلّم، ثم يسجد سجدتين".

وأخرج مسلم (4/2007) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة".

وأخرجه البخاري (8/77) بلفظ "اللهم فأيما مؤمن سببتُه، فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة".

الأمر الذي يجمع بين النصوص الثلاثة هو إثبات بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، وإتباع ذلك باحتمال وقوع الخطأ والنسيان والغضب، المؤدي إلى السبّ واللعن مِن قِيل الرسول صلى الله عليه وسلم! لكن هناك فرق بين جواز-أو إمكان- الوقوع وبين الوقوع الفعلي، ويبدو أن هناك فرقا-أيضا- بين الأمور الثلاثة، فعارض النسيان قد ثبت وقوعه من خلال هذا النص ونصوص أخرى، ولم يدّع أحد أنه يؤثِّر في النبوّة، والخطأ في الاجتهاد- لأمته صلى الله عليه وسلم- معفو ومجزيّ عنه،  وهو متصوّر في حقه، لكن هل وقع منه خطأ في الاجتهاد أو في القضاء في الخصومات؟

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (13/174): "وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم، وفيه أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع لم يُقرّ عليه صلى الله عليه وسلم، لثبوت عصمته.."

ونقل الزرقاني في شرح الموطأ(4/5) عن الإمام السبكي قوله -عند جملة: فمن قضيت له بشيء من حق أخيه-: " هذه قضية شرطية لا تستدعي وجودها، بل معناها بيان أن ذلك جائز الوقوع، قال: ولم يثبت لنا قط أنه صلى الله عليه وسلم حكم بحكم ثم بان خلافه، لا بسبب تبيّن حجة ولا بغيرها، وقد صان الله أحكام نبيه عن ذلك، مع أنه لو وقع لم يكن فيه محذور".

وقال الرازي في تفسيره (8/347شاملة): "..والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بأن الشرط وقع أو لم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع.." وحديث السب-كما أخرجه البخاري- فيه شرط وجزاء، فمن سبّه النبي صلى الله عليه و سلم استحق الدعاء، وأحسب أن تخريج البخاري لحديث "فأيما مؤمن سببته.."- وإعراضه عن أحاديث أخرى أخرجها مسلم  وغيره، أثبتوا فيها وقوع السب واللعن- أراد أن يُثبت به إمكان الوقوع فقط، وصان المقام الشريف عن وقوع ذلك فعلا، كما صان الخِلال التي ثبتت له في الرفق وعدم التفحش في الردّ المستحَق على اليهود والمشركين -بإطلاق- عن أن تشوِّش عليها النصوص المخالفة.



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5077