العرب وقضاياهم الضائعة
التاريخ: 12-4-1438 هـ
الموضوع: قضايا وآراء


لقد خرج العرب من كلّ المعادلات السياسية التي ترتبط بكيانهم الموحد جغرافياً وحضارياً، وأرادوا لأنفسهم بأن يكونوا تابعين لا متبوعين، حتى في أهم القضايا التي تخص كيانهم، الهش بفعل الاختلاف والتفرق، الذي ما عرفته هذه الأمة من قبل، لكن العزاء الوحيد الذي ما زال يزرع شيئاً من الأمل، أننا ننتمي جغرافياً وحضارياً إلى كيان أكبر وأشمل، هو العالم الإسلامي، وهو ما يجعلنا نبحث عن أصح المعادلات وأسلمها، لمعالجة أعقد المسائل، التي تقف أمامنا اليوم...



لقد قررت الأنظمة العربية أن تتخلى عن أهم قضية ترتبط بوجودها السياسي، وأبعادها الحضارية، وهي القضية الفلسطينية، وشيئاً فشيئاً بدأت تؤسس لثقافة جديدة ناسجة لثقافة الأمة الأصيلة، القائمة على فكرة المقاومة للمحتل الغاصب، والتشبث بالحق مهما كان الثمن، بل ذهبت بعيداً في تكريس هذا الواقع الجديد، حيث سمعنا ببعض الدول العربية التي بدأت في تغيير المناهج الدراسية بما يوافق الواقع الجديد في العلاقة بالكيان الصهيوني الغاصب، بل وصل الأمر بالنّظام المصري الحالي -الفاقد للشرعية- بالتعاون العضوي مع هذا الكيان في كثير من القضايا الاستراتيجية متجاوزاً كلّ ما يربطه بمحيطه العربي والإسلامي، بل حتى أصبحت مصر بنظامها الحالي تشكل خطراً كبيراً على القضية المركزية للأمة.

لقد ترك العرب فلسطين فريسة لدولة استيطانية، تقوم على فلسفة الاستحواذ السافر لحقوق الغير، ورموا بثقل هذه القضية لأبناء فلسطين، الذين انقسموا إلى جناح أصيل يعيش القضية بكلّ أبعادها الواقعية والحضارية، وجناح هو أقرب لروح أنظمة الاستبداد العربية، بل هو نسخة عنها لا تختلف إلاّ في تفاصيل بسيطة، وضاعت القضية بين المناضل الأصيل الضعيف، والمناضل المشوه الفاقد لأبسط أدوات النضال، وكما ضاعت قضية فلسطين، باستهتار أنظمة الاستبداد والتبعية، قد نفقد أوراق قضية لا تقل أهمية عن قضية فلسطين، وهي القضية السورية، التي خرجت تماماً عن سيطرة العرب، بل لم يعد لهم أدنى تدخل في تفاصيلها الكثيرة والمتشعبة، بل الأدهى والأمر أنها خرجت عن الإطار العربي تماماً، ولم يعد يسمح للعرب الاقتراب منها، وحتى النّظام السوري لم يعد يدير شؤون الدولة، ويتحكم في مسار التحولات التي عرفها هذا البلد العظيم خلال سنوات الثورة الشعبية، بل ألقى بزمام أمرها إلى دول نتحكم فعليا في إدارة هذه الدولة العربية، وهي-أي هذه الدول - فعلاً من تحدد ما ينفع الشعب السوري وما يضره، وبهذه البساطة تدار دولة عربية كبيرة، فقط لأنّ شعبها أراد الحرية والكرامة، ولم يعد يرضى بنظام شمولي استبدادي عميل، واليوم وقد وصلت سوريا إلى حالة من الفوضى الخلاقة التي تقاسمتها قوى متعددة، لها في هذا البلد مصالح ومآرب أخرى بدت الحلول لإنهاء هذه الفوضى تقتصر على حلين لا ثالث لهما، فإما مواصلة الثورة في إطار هذه الفوضى وإما الاتفاق بين جميع الأطراف على توقيفها والتزام الحوار الذي ينهي هذه المأساة ويدفع بالبلد نحو صيغة ترضي الجميع.

لكن المراقب الحصيف يدرك أن ما تسعى إليه هذه الدول الحاكمة بالوكالة ليس حلاً نهائياً لهذه الأزمة وإنمّا تسوية ترضي طموحها كدولة استعمارية كما ترضي أطماع دولة الملالي التي تدير مشروعاً شمولياً طائفياً ترى من خلاله طموحها وقد اكتملت أركانه بإدخال سوريا تحت العباءة الإيرانية (الشيعية)، وإخراجها تماماً من المجال العربي(السني).

وكما هو معروف فإن الشرق الأوسط الجديد يدفع نحو صيغة لا يكون للعرب مجال القيادة فيه وإنما يتبع كلّ قطر بجناح من الأجنحة المشكلة لهذه الصيغة الجديدة، فالسنة أو ما تبقى منهم يتبعون تركيا، والشيعة يتبعون إيران، وسيكون المكون الأساسي للشرق الأوسط، إلى جانب هاتين الدولتين، دولة الكيان الصهيوني، وما الأحداث الدائرة في سوريا إلاّ مخاضاً لهذه التحولات الجديدة، التي تجاوزت العرب.



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5082