الشعائر والفضائل.. والأسئلة المحرجة
التاريخ: 20-4-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


قد يستغرب العقلاء من أحوال بات عليها سلوك أناس لا يتحرّجون من جمعٍ بين شعائر مفروضة يؤدّونها، وبين اقترافٍ لمناكر مرذولة، لا يستنكرها الشرع فحسب، بل إن صاحب العقل السويّ يأنف منها، ويشدِّد في النكير على من يقترفها، أما أن يستسهل مسلم الكذب -مثلا- ولا تردعه صلاته عنه، ولا يجد حرجا في الجمع بينهما فأمر في غاية الغرابة، ولا شك بأن لغلبة النوازع والمطامع الدنيوية دورا، كما أن الطقوس العبادية المُحتفى بها لا تُؤدّى بطريقة تحقِّق مقاصدها المرجوة، ولكن هل لما استقرّ من بعض الفهوم حول الأوامر والنواهي، من حيث العلاقة والأهمية من أثر في انتفاء الحرج، من الجمع بين الشعائر والمناكر في الآن نفسه؟



أخرج البخاري (4/45) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان حين استدعاه هرقل- وهو بالشام- ليسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمناسبة الكتاب الذي وصله منه ويدعوه فيه إلى الإسلام، وكان مما قاله أبو سفيان -على سؤال هرقل: فماذا يأمركم به؟-: "...يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة.." ومما ورد أيضا قول هرقل لأبي سفيان: " وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر..".

وأخرجه في باب آخر (6/35) بلفظ " يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف" وفي باب ثالث (2/104) بلفظ: " يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصلة، والعفاف".

وجاء عند البخاري (1/7) في الخبر المشهور عن خديجة رضي الله عنها: "...كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق...".

ما الذي يجعل المساجد -في عصرنا الحاضر- تغصّ بالمصلين، استجابة لنداء الله لهم بالصلاة، ولا يستجيبون له في فضائل الصلة والعفاف والأمانة والوفاء بالعهد؟ أوامر الله لا تنحصر-حتما- فيما ورد ذكره في هذه الأحاديث، ولكن الاقتصار عليها قد يخصها بميزة الأولوية حين تتزاحم الأوامر وتضيق الخيارات، ولأن المقام يقتضي من أبي سفيان - وهو مشرك- أن يلخِّص أهم ما اعتقد أن الإسلام يأمر أتباعه به، وهو يتحرّج من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المشركين في جاهليتهم كانوا يعتبرون الكذب رذيلة تحطّ من أقدار الرجال، وذلك ما صرّح به أبو سفيان نفسه: ".. وايم الله، لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبت.." كما أن أسئلة هرقل تنبئ عن تقدير لقيمة الصدق، حين سأل أبا سفيان وأصحابه: " فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال..".

لقد نُصّ في حديث البخاري على شعيرتين من شعائر الإسلام، هما الصلاة والزكاة، ونُصّ على أربع فضائل هي: الصلة والعفاف والأمانة والوفاء بالعهد، ما الذي يجعلنا نُعرض عن هذه ولا نحتفي-ظاهريا- إلا بالأخرى؟ هل لأن الصلاة حق لله، والفضائل حق للبشر، كما أُريد لنا أن نتعلّم ونفهم؟ فقدّمنا حق الله باعتباره يغنينا عن حقوق من سواه ! هل هو نفسه السبب الذي يدفعنا إلى الاستمساك بالصلاة جماعة في وقتها، ولو كنا في عمل؟ فإذا ما أدّينا الوظائف -تدريسا وخدمة- فترت منا العزائم، حتى بلغت الشكوى من هذا الأمر كل مبلغ!؟

أمورنا لا تستقيم حتما بهذا الإخلال، والواقع يشهد على ذلك، لكن هل تستقيم بالخيار الآخر حين يعزّ الخيار الأمثل؟ هل إذا كان لبعض الفضائل المشار إليها وجود في المجتمع، تستقيم به حياة، ولو لم تمتلئ المساجد بالمصلين؟ فيصلي الناس في بيوتهم أو لا يصلون أصلا؟ لقد مرّ حين من الدهر غير بعيد لم يكن فيه للمساجد وجود في كل حي أو بلدة، ولا للناس حرص على صلاة، ومع ذلك كان المبتلى بشرب الخمر يتحاشى المرور أمام بيت من بيوت الله، وكان بعض أصحاب المحلات يذهبون للصلاة أو لأمر آخر من دون أن يغلقوا محلاتهم! فلما كثر المصلون صارت الأحذية تُسرق من داخل دور العبادة؟ !



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5087