الثقافة الجامعة.. في عالم مضطرب
التاريخ: 20-4-1438 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


نظمت مؤسسة الأصالة يوم السبت الماضي 14 جانفي 2014 بدار الإمام بالمحمدية يوما دراسيا، حول القيم الروحية في الثقافة الأمازيغية، وقبلها نظمت جمعية الإصلاح والإرشاد ملتقى دوليا، حول دور المجتمع المدني في ترسيخ مفهوم المواطنة، والناظر في برنامج هاتين المبادرتين، يلاحظ أن انشغالات الجمعيات الوطنية والمؤسسات البحثية، وغيرها من المؤسسات في بلادنا بدأت تتقارب، وشرعت في الضرب على الوتر الحساس، وبدأت تلامس حقيقة المشكل الذي يعاني منه مجتمعنا الجزائري، وكل المجتمعات المتخلفة أو التي في طريق النمو كما يقال، وهو مسألة الثقافة الجامعة، أو الاجتماع على القواسم المشتركة، أو الالتقاء على ما يجمع فئات المجتمع لا على ما يفرقها، تلك هي الثقافة الجامعة في أبسط معانيها وهي الحاجة الضرورية لكل مجتمع يريد النهوض والبناء الجاد، وبلادنا في أمس الحاجة لذلك لاسيما وأنها لا زالت معرضة لاعتداءات المعتدين، سواء من قبل القوى الغربية المتغطرسة، التي لا يسعدها أن يكون بلد مثل الجزائر بثقله الإقليمي والدولي هنيء البال مرتاحا من القلاقل والاضطرابات الاجتماعية والسياسية، ولعل من علامات الحرص على زعزعة البلاد فريق الجوسسة المقبوض عليه نهاية الأسبوع الماضي في غرداية، والذي قيل أنه متكون من سبع جنسيات يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية –الموصاد-، أو من جهة التواطؤ المبرمج بمساهمة من شرذمة انفصالية، أو بسبب الجهل الذي عادة ما يكون سببا في استدراج فئات من الشعب لتخريب بلادهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.



إن مثل هذه المبادرات في تنمية حس المواطنة في الشعب، وتحويلها إلى ثقافة سائدة، ستكون من أهم عواصم المجتمع التي تقيه الاضطراب والانحراف والتواطؤ على الفساد والإفساد؛ لأن جوهر المواطنة هو العقد الاجتماعي الذي يربط الحقوق بالواجبات ويوازن بينها...، ومن ثم الشعور بالمسؤولية على كل ما يقع بالبلاد، إذ عندما يقع الخلل فإن المواطن المتشبع بقيم المواطنة يدرك بتلقائية تامة الأسباب الحقيقية للخلل، ويسعى إلى المساهمة في إصلاحه؛ لأنه سوف لن يكون بمنأى عن مفاسد ما يقع؛ بل عندما يعم مفهوم المواطنة الحقيقي، يصعب على أي جهة أن تحرف المجتمع عن مساره الذي يريد أو تستغله أو توجهه كما تريد..وكذلك البعد الروحي في ثقافة المجتمع عموما وفي الخصوصيات الثقافية للمجتمعات تحديدا، فإنه يمثل الأسس التربوية للمجتمع في بعدها الروحي؛ ذلك أن البعد الروحي يمثل جوهر حركة المجتمعات، فالجانب المادي يتمثل في ضمانات المأكل والملبس والسكن وسائر الحاجات المادية الملموسة، أما الجانب الروحي فيشمل الجانب المعنوي من الإنسان، الدين، الحرية، الحب، البغض، التقاليد، العادات...إلخ.

وكما قال أبو الفتح البستي: 

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته
أتطلب الربح فيما فيه خسران؟
أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

لقد مر مجتمعنا الجزائري بهزة عنيفة خلال سنوات التسعينيات، ولا يزال الوضع أمام هذه التقلبات الدولية، معرض –لا قدر الله- للاهتزاز، بسبب الانسداد السياسي، والأزمات المتتالية الاجتماعية والاقتصادية، والتهديدات المعادية الظاهرة والمستترة، ولا عاصم له من كل ذلك، إلا مثل هذه الحملات التثقيفية المركزة التي تهدف إلى افتكاك المشاريع المجتمعية من أيدي خاطفيها.. فإلى متى يبقى مفهوم المواطنة محتكر للحداثيين دون غيرهم؟ وإلى متى تبقى الثقافة الأمازيغية بين أيد الفئات المتطرفة من أدعياء الانتماء الأمازيغي؟

على أن الوطنية الجزائرية الجامعة دار لكل الجزائريين وليست لبعضهم دون بعض..، وتتسع لكل القناعات السياسية والثقافية، شريطة أن يصب الجميع في وعاء المجتمع الجزائري ومصالحه العليا، وأن يكون الكل متناغم مع بعضه البعض في مبادئه وغاياته، مهما تنوعت الطروحات واختلفت وجهات النظر، وتباينت الوسائل؛ لأن الثقافة الجامعة هي التي تعصم أهلها من التقلبات لاسيما في زمن الاضطرابات والقلاقل، كما هو حال عالمنا العربي والإسلامي بكل أسف.

والثقافة الجامعة بالنسبة لعوام الناس، ربما لا يشعرون بضرورتها إلا عندما يصيبهم الأذى، أما على مستوى النخب والمؤسسات المجتمعية فإنها من المفروض أنها موجودة كبرامج وخططا وممارسات، وعليه فمن الضروري الحرص على مثل هذه المبادرات وتنميتها ورفع مستواها إلى الغايات الكبرى، وذلك لا يكون إلا بتضافر الجهود الرسمية والشعبية، ومنها الرفع من مستوى النخبة في خطابها السياسي والاجتماعي.            



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5093