التغيير قادم لا محالة
التاريخ: 20-4-1438 هـ
الموضوع: كلمة حق


كتب أحد الكتاب في صحيفة الحرية Liberté يوم الخميس 12 جانفي 2017م. في قسم الثقافة منها، بعنوان: "Soufle" مكررا مرتين، وهذا ما يسمى في العربية بالزفير، وما يقابله من الشهيق، وما يصدر من الفم من نفخ النفس، ومعنى هذا أنه يتأوه ويتوجع، ويعجب ويستغرب... وبين ذلك باستفهامه الإنكاري كما يقول أهل البلاغة العربية بقوله: هل كتب علينا أن نبقى دوما رهائن الدين، ومعناه أن نبقى مكبلين به، وأسرى لا نستطيع الخلاص منه؟



وقال إن بيننا وبين التاريخ ما لا حراك له، وأن الماضي حمل ثقيل لا يحرك هؤلاء المسلمين وأن معناه عندهم هو الماضي، ينظرون إليه دينيا أنه مجد وتعبد وهلوسة، بلا تفكير ولا نقد، وأن الأمم الأخرى تدرس تاريخها حتى لا تقع في الجمود، وأن العرب والمسلمين عامة يرجعون إلى التاريخ ليبقوا فيه، ليسكنوا فيه إلى الأبد، وليرجعوا إلى حاضرهم، ليجعلوا من ماضيهم مشروعا لمستقبلهم... يخافون على دينهم ليبقى بكرا، وأن المسلم خائف من الله، خائف كأن ذلك حرب مقدسة متواصلة منذ 15 قرنا، لا يحللون تاريخهم، ولكنهم يحاولون إنتاجه عبثا، ويتجهون إلى الخلف في اتجاه معاكس للتاريخ، وينظرون مثلا إلى الخلفاء نظرة في أن تاريخهم أبيض طاهر، عادل، إيجابي جنة، ولكن الواقع التاريخي ليس كذلك، فهذا خليفة اغتيل، وذاك مهموم، وهذه حرب بينهم، وينظرون إلى الأحاديث المكتوبة على أنها مقدسة، وليس لهم شجاعة لتطبيق هذه النصوص الدينية، ونسوا أن هذه الأحاديث ليست إلا روايات عبيد الأمير من السود "Négres" فالنص الديني ليس بريئا، فالمسلمون سجناء، وضحايا للرؤية الدينية الشمولية "La Talitaire"  وهذا التدين المريض راسخ في المجتمع الجزائري، والجزائريون يشترون من المعرض الدولي المؤلفات مثل تاريخ الطبري، وصحيح البخاري، وسيرة ابن هشام، فهل اشتروا كتاب "رأس المال" لكارل ماركس، وهو مجلد مثل الكتب الدينية؟ وهذا ينتج مجتمعا كتب عليه على الدوام أن يبقى تحت ثقل الدين،  مجتمع منافق، والفرد فارغ من كل شعور وطني مرشح لكل نوع من الانتحار، هذا في المجمل ما ورد بالتفصيل.

هل هذه الأحكام العامة في سيطرة الدين على المسلمين مهما أبقاهم جامدين، يمكن أن تكون صحيحة؟ إن الدين هو المحرك لصنع التاريخ إذا تمكن من النفوس تمكنا صحيحا، والمسلمون اليوم يتحركون ويموجون من أجل تغيير أوضاعهم بالرغم مما سلط ويسلط عليهم من الاستبداد والمظالم، وتآمر الأمم الأجنبية عليهم ومحاربتهم في ديارهم، ويشن عليهم صراع حضاري وحشي، يبدو أن هذا الدين ثقل عليه، فأراد أن يتنفس الصعداء، وأن يشهق ويزفر ليتخلص منه، ومن المسلمين الذين يؤمنون به، ويرجع إلى ماركس لعله ينقذهم، ونحن قرأنا له "ثقافة الدم" لما كان في فرنسا، وكيف يلوم فيه وزير الشؤون الدينية الشيخ شيبان رحمه الله على أنه عارض الذين يفطرون في رمضان جهرة، كأن الصيام ليس فرضا على كل مسلم ومسلمة، ولا نريد أن نرجع إلى تاريخه في سوريا!! وهو أعلم به.

وأما زعمه أنه لا نقد لتاريخ المسلمين ولا تحليل له، فهل نسي ابن خلدون؟ وهل نسي من المعارضين مالك بن نبي، وغيره ممن انتقد المجتمع الإسلامي، وحلل تاريخه وأمراضه التي حدثت له في تاريخه، وهو لا يعرف أو يعرف أن المحدثين هم الذين أنتجوا النقد التاريخي للنصوص، فانتقدوا الروايات، وبينوا الصحيح منها والسقيم، ووضعوا في ذلك منهجا نقديا تاريخيا للروايات، فهل يمكن القول أن الأحاديث وضعها العبيد للأمراء والملوك، وتحت إملائهم؟ إن هذا لبهتان صارخ يشبه ما يقوله المستشرقون، فاقرأ ما يكتبه الأعظمي مصطفى في دراسته للحديث في رسالته التي قدمها لنيل الدكتوراه في بريطانيا باللسان الانجليزي.

ويبدو أنه لا يحلو له أن يخاف المسلم من الله، ويحسب ذلك جمودا، فإذا لم تخف من الله وألغيته، فكل شيء مباح، لا قيم، ولا مراقبة للإنسان لسلوكه، فهل تريد أن يكون الناس كذلك وأنت في زمرتهم؟

التاريخ يثبت كيف صبر أولئك الصحابة، ومنهم هؤلاء الخلفاء، وضحوا في سبيل عقيدتهم ونشروها، لا بأقوالهم، ولكن بأفعالهم، فهل يسيء إلى عمر بن الخطاب الذي قتله مجوسي حانق ذلك؟، إنه لشرف له، أن يستشهد في سبيل عدله، وصرامته في الحق، وفقهه الدين فقها ذكيا مبدعا، وإنه لشرف للإمام عثمان أن يقتل وهو في داره، لا يريد أن يستعمل سلطته لسفك دماء الغوغاء الثائرين في مؤامرة حيكت له، واقرأ دفاع أبي بكر بن العربي عنه في العواصم والقواصم، ونفي كل ما نسب إليه من ترهات المؤرخين، أما أن نولي ظهرنا للتاريخ وننساه فهذا سبيل هذا الكاتب، أما نحن فنحيي تاريخنا ونعتز به، ولكن لا نجمد فيه، بل يدفعنا ذلك للبناء عليه وتجديد شؤوننا، وخوض المستقبل لتغيير وضعنا، وهذا ما دعا إليه من غفلت عنه أيها الكاتب المحترم أمثال جمال الدين ومحمد عبده، وابن باديس، وما يدعو إليه المفكرون اليوم فلتطمئن فإن النهضة آتية، وأن التغيير الذي دعا إليه ابن باديس، ومالك بن نبي، قادم لا محالة، وأحداث اليوم تباشير الصبح، أليس الصبح بقريب.



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5094