جمال الدين عطية: نموذج معاصر في مدرسة البناء الحضاري
التاريخ: 26-4-1438 هـ
الموضوع: متابعات


محمد مصطفى حابس : جنيف/ سويسرا

 

يعيش العظماء والمجددون والأئمة للناس والأمم، يرتفعون إلى ثريا المطالب ويرتقون إلى معالي الغايات. يكبر فكرهم فينير الدروب، وتعظم قلوبهم فيحبهم الخلق، وتعم أفضالهم فتشمل الجميع، بهذه المقدمة لا أريد أن أتزيد في القول عما قيل و كتب هذا الاسبوع عن رحيل الدكتور جمال الدين عطية رحمه الله، فمعظم ما جادت به قريحة البعض في لحظة صفاء مع الذات، ومن خارج جماعة  الاخوان المسلمين المصرية  التي انتمى إليها  منذ ولادتها  و تعرف فيها على رعيلها الاول، هو تعبير صادق عما كنت أعتقد به منذ سنوات عن هذا الرجل الرباني و العالم الورع، خاصة من أولئك الذين تعرفوا عليه في أوروبا كالعاصمة البلجيكية بروكسال واللكسمبرغ و حتى  من أولئك الذين تعرفوا عليه  أو على سيرته في نهاية دراسة الدكتوراه في جامعة جنيف السويسرية في ستينيات القرن الماضي ..



الذين نعوا اليوم، العلامة القانوني الفقيه

الذين نعوا اليوم، العلامة القانوني الفقيه الدكتور مؤسس أول مشروع فكري إسلامي تجديدي هو مجلة "المسلم المعاصر" المحكمة (1974) التي كانت زادًا فكريًا وفقهيًا لنا في رحلة البحث عن المعرفة. كتب في افتتاحية العدد الأول أنها “مجلة الاجتهاد، تنطلق من ضرورة الاجتهاد، وتتخذه طريقًا فكريًّا، ولا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه، بل تتعداه إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه،  الذين نعوه وصفوه بالرجل العظيم والعالم والرباني والمنظر والمفكر، والداعية المخلص و صاحب المناهج..  الرجل جدد في منهج التغيير و الفقه و الأصول .. بل في علوم الدنيا أيضا، ليس فقط على طريقة المفكرين الكبار القلائل بل النوادر الذين جمعوا بين الثقافة الغربية وعلومها و ثقافة الإسلام و تفاصيلها.. وهذا كله صحيح على حد تعبير أحد أساتذتنا الذين تعرفوا عليه عن قرب.

 

من مرحلة جهادية فكرية إلى مشروعات إصلاحية فكرية

 كتب عنه صفي عاشور أبو زيد، كلاما بليغا منه : "لكل عالم أو مفكر مراحل فكرية وعلمية تمثل قمة نضجه وعطائه، وتمثل مرحلة من هذه المراحل قمة المنحنى في النشاط العلمي والفكري والحركي؛ حيث يكون المنحنى قبلها منخفضا، وبعدها منخفضا أو يكاد يكون منعدما، أما أن تكون حياة العالم أو المفكر في تجدد وتجديد دائم ومستمر، وتنتقل من مرحلة جهادية فكرية إلى مشروعات إصلاحية فكرية وتجديدية شرعية فهذا ما لا نجده إلا عند القليل من مفكرينا وعلمائنا، و أردف قائلا:" ويعد الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية من هذا القليل الذي ينتقل من نجاح إلى نجاح، ومن مشروع تجديدي إلى مشروع مثله، ومن موسوعة شرعية إلى أخرى، ومن كتابات تجديدية في مجالات الإسلام المتنوعة إلى مشروعات عملية واقعية تنهض بالأمة وتجدد دنياها بدينها.."

 

لقد اجتمع في الأستاذ عطية ما تفرق في غيره من المثقفين والمفكرين والمصلحين

والعبد لله يقول، علما أني لم أقرأ كل مؤلفاته، ولم ألتقي به إلا مرات معدودات في ثمانينات القرن الماضي كطالب علم  حد قول أهل الخليج، والفضل في ذلك يعود لله ولأستاذنا الكبير عبد الوهاب حمودة ، الأمين  العام لوزارة الشؤون الدينية متعه الله بالصحة و العافية، حيث كان ينزل فيها الدكتور جمال الدين عطية، ضيفا مبجلا مع كوكبة من العلماء على الجزائر بمناسبة ملتقيات الفكر الإسلامي،  الامر الذي جعل أحد أساتذتنا يقول لنا يوما ، وتحديد بأسبوع فقط قبل وفاته، "لقد اجتمع في الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية ما تفرق في غيره من المثقفين والمفكرين والمصلحين في مشارق العالم  ومغاربها،  لقد استطاع بعبقريته الفذ أن يتجاوز الجماعة التي تربى فيها، أي جماعة ا الاخوان المسلمين المصرية، بل كان همه خدمة العلم و طلبة العلم"، فهذا كلام لا يجانب الصواب أبدا، لقد شاعت أفكاره في أدغال آسيا و أفريقيا و في كافة القارات والجامعات، وأصبح لمدرسته تلاميذ ومعجبون حتى من غير العرب في أوروبا، و من انتسابه للمعهد العالمي للفكر الإسلامي  في واشنطن رفقة زميله العراقي طه جابر العلواني، إلا دليلا عن بعد نظره .

 

إتقانه اللغات الأجنبية كالفرنسية والانجليزية، رغم لكنته الخلقية في لسانه

لقد كتب عن رحيله بعض تلاميذه و أحبابه عن لقاءاتهم معه في ليبيا  التي درس بها سنوات  و قطر والكويت وغيرها، منبهرين بثقافته الموسوعية المتنوعة و المتكاملة  وإتقانه اللغات الأجنبية كالفرنسية والانجليزية، رغم لكنته الخلقية في لسانه في النطق ببعض الحروف العربية..

تأثر الدكتور جمال عطية في أثناء دراسته في الحقوق بالشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ محمد أبي زهرة، وبعض القانونيين مثل حامد زكي وسامي جنينة

وفي خطٍّ موازٍ لهذا في الساحة الإسلامية كانت له هناك اتصالات مع الشيخ محب الدين الخطيب، وعلي الطنطاوي، ومحمد أبو ريدة، وعباس العقاد، وغيرهم

اعتقل الدكتور جمال عطية ضمن اعتقالات الإخوان الأولى لمدة سنتين ونصف بين عامي 1368 – 1371هـ/1949-1952م في سجن مصر بالقلعة الذي تم هدمه فيما بعد، لكن بعض الدارسين يقولون أنه لم يعطي هذه المرحلة حقها من الكتابة ..

 

عمل الدكتور جمال الدين عطية في مجالات عديدة

عمل الدكتور جمال الدين عطية في مجالات عديدة منها: ممارسته للمحاماة في مصر والكويت، وتوليه أمينا عاما للموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف بالكويت، ورئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر، ورئيس تنفيذي للمصرف الإسلامي الدولي في لوكسمبورج (بيت التمويل الإسلامي العالمي حاليًا)، ومستشار قانوني وشرعي للمعاملات المالية والمصرفية (مكتب خاص في لوكسمبورج)، ومستشار أكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن) ومدير مكتبه بالقاهرة.

وعمل الدكتور عطية أستاذا زائرًا بالجامعة الليبية ، وزائرًا بكلية الشريعة جامعة قطر، ثم عمل بالإضافة لعضويته في جمعيات ونقابات ومراكز عالمية مثل: الجمعيات العلمية والمهنية، ونقابة المحامين القاهرة، والجمعية الدولية للقانونيين الديمقراطيين بروكسل، ونقابة المحامين الدولية لندن، والجمعية الدولية للمحامين الشبان ببروكسل، ومركز السلام العالمي من خلال القانون بواشنطن، وعضوية مجلس أمناء معهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية بفرانكفورت، وعضوية مجلس إدارة المجلس العالمي للبحوث الإسلامية بفادوتس- لختنشتاين، وعضوية المعهد العالمي للفكر الإسلامي

 

مؤلفاته وبحوثه تنبئ عن روح علمية تجديدية، ونظرة شاملة عميقة، وتناول فكري رصين

للدكتور جمال عطية عدة مؤلفات وبحوث مهمة تنبئ عن روح علمية تجديدية، ونظرة شاملة عميقة، وتناول فكري رصين، من أبرزها: تراث الفقه الإسلامي ومنهج الإفادة منه على الصعيدين الإسلامي والعالمي، والتنظير الفقهي، والنظرية العامة للشريعة الإسلامية، ونحو تفعيل مقاصد الشريعة، وعلم أصول الفقه والعلوم الاجتماعية، والاستفادة من مناهج العلوم الشرعية في العلوم الإنسانية، والأولويات الشرعية- نظامها وتطبيقاتها، والعلاقة بين الشريعة والقانون، ونحو فلسفة إسلامية للعلوم، وسنن الله في الآفاق والأنفس

فاللهم تغمده برحمتك الواسعة، وبارك فيما تركه من إرث فكري وتربوية كبير، واجعله في ميزان حسناته، وجازيه عنه خير الجزاء. اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، ووفقنا للمضي على طريق الرشادة والبصارة والحكمة التي كان ينشدها ويعمل لها باستمرار.. و إنا لله إنا إليه راجعون.







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5105