إشارات التحضّر المبكرة.. ومراعاة الأعراف الدبلوماسية !
التاريخ: 3-5-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


الوقوف على السياق واستحضار الظرف ليس للقارئ خيار في أن يفعله أو أن يدَعه، إذا أراد فهم الوقائع والغوص في الأحداث، وأما المطالبة بالمحاكمات أو إطلاق الأحكام من خلال وعي اللحظة الحاضرة فتجنٍّ لا يليق، ولا يقلّ في الجناية عمّن يغفل تقدير خَطوٍ أو سبق، في بيئة لا تسعف في تحقيق الإنجاز ! وكما أن مزاج الضعف قد يستدرج صاحبه إلى المبالغة في تقدير الأشياء- توسّلا لموقع، أو استدرارا لعطف- فإن مزاج القوة بدوره قد لا يلقي بالا للمقارنات التي توقف على أهمية أمر من الأمور.



أخرج أبو داود (4/387) وأحمد في مسنده (39/282) والنسائي في الكبرى (5/205) وابن حبان في صحيحه (11/233) والحاكم في مستدركه (3/691) عن أبي رافع قال: "بعثتني قريش إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أُلقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع، قال: فذهبت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت".

طرقنا في هذه الزاوية موضوع الوفاء بالعهد أكثر من مرة، من خلال نصوص عديدة مبثوثة في السنة والسيرة، يبين بعضها عن فضيلة الوفاء وعن خطورة الإخلال، وبعضها الآخر يطبقه النبي صلى الله عليه وسلم في أصعب الظروف امتحانا واختبارا، عشية بدر وفي أثناء مفاوضات الحديبية وفي أعقابها.

يبدو أن هذه الواقعة كانت في سنتي الهدنة التي تمّت في الحديبية، وأن قوله صلى الله عليه و سلم:"لا أخيس بالعهد"كانت استجابة لبنودها، قال أبو داود-فيما نقله عنه صاحب عون المعبود (7/311)-: و "كان هذا في المدة التي شرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردّ إليهم من جاء منهم، وإن كان مسلما...".

وقال الخطابي-في معنى ألا يخيس بالعهد ولا يحبس البرد-: "يُشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابا، والجواب لا يصل إلى المرسل إلا مع الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عقد له العقد مدة مجيئه ورجوعه.. وفي قوله لا أخيس بالعهد: أن العهد يراعى مع الكافر كما يراعى مع المسلم، وأن الكافر إذا عقد لك عقد أمان فقد وجب عليك أن تؤمِّنه ولا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة" (عون المعبود شرح سنن أبي داود:7/311).

لقد كان بوسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يكِل المبعوث القرشي إلى رغبته، وأن يدعه واختياره، ثم يبعث برسول من عنده يحمل إليهم الردّ على الخطاب، ويخبرهم بما فعل الرسول؟ ولا يدخل هذا الأمر ضمن الشرط الذي شرطه سهيل بن عمرو على الرسول صلى الله عليه وسلم:".. وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا.." إلا على سبيل التحرّز والاحتياط في الوفاء ببنود الهدنة، لأن المبعوث وفد على النبي وهو مشرك، ولم يبعث الله في قلبه الإيمان إلا حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الذي يدخل في الشرط فهو أن يفِد إليهم مسلما من مكة، بدليل أنه كان سفير قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ترسل قريش-أو غيرها قديما وحديثا-إلا من تثق به، ولو داخلَ الدولَ أدنى ريب في شخص ما أُسنِد إليه مثل هذا الموقع.

الوفاء بالعهود مع الكفار في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم التزام بمقتضيات دين، ومشاركة في مواطآت العقول، وتزكية للأعراف التي لا مساس فيها بالعقائد، ومن يشوِّش على جمال هذه الصور بادعاء من هنا أو هناك، كمن يسعى للتشغيب على جمال لوحة، وليس له في الذوق من نصيب.



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5108