عندما يكون القانون فوق الجميع الكل يسمع له وبطيع...
التاريخ: 11-5-1438 هـ
الموضوع: محطات


إن استقلالية القضاء هي الضامن الأهم لمنع النظم الحاكمة من التعسف، والتحول من نظم ديموقراطية تشاركية إلى نظم جبرية فردية، يتحول فيها الحاكم إلى طاغية جبار، يصول ويجول في البلاد، يصادر حريات العباد، ويستأثر وحده بخيرات البلاد.



وإن استقلالية القضاء هي التي تكفل استقرار الوضع السياسي، وتضمن للحكم دوامه واستمراره، لأنها تحول بين المواطن وبين لجوئه إلى الثورة والتمرد لتحصيل حقوقه، إذ تضع بين يديه أسلوب التقاضي لاسترداد حقه المسلوب، أوماله المغصوب، من غير حاجة إلى ركوب مركب العنف،وذلك من شأنه أن يمنع حدوث الاحتجاجات الجماهيرية التي يمكن أن تتطور إلى تمرد وثورة تأتي على الأخضر واليابس.

وإن استقلالية القضاء هي التي تحمل المواطن على احترام السلطة وتهيبها، وتجعله يحذر أن يقع تحت طائلة القانون،لعلمه أن لاأحد فوق القانون، وأنه إن أخطأ لا أحد ينجيه، ولا أحد يحول بينه وبين تطبيق القانون عليه، بدليل تطبيق القانون على الجميع، شريفا كان أو وضيعا، من المواطن الصغير إلى الرئيس الخطير.

وإن استقلالية القضاء هي الضامن الأكيد لاستتباب الأمن الاجتماعي، وتحصينه ضد كل ضروب الفساد، وأصناف الآفات التي تفتك بالعباد، فلا أحد يضطر إلى الرشوة لاستخلاص حقه، ولا أحد يضطر إلى حمل السلاح ليثأر من خصمه، لأن القضاء العادل وراء الموظف المماطل مهما علت رتبته، وهو الواقف في وجه الظالم وإن كان هو الحاكم العتيد، أو لواء أو عميد.

وإن استقلالية القضاء هي الركيزة الأساسية التي تضمن للمجتمع ازدهارا اقتصاديا يمكنه من صنع الثروة التي تكفل للمجتمع الارتقاء بالخدمات الاجتماعية على المستوى الذي يرضي المواطن ويكفل له حياة كريمة ترتقي به حضاريا، لأنه في ظل القضاء المستقل، لن يكون هناك مجالا للغش، ولا مجال للاحتكار، ولا مجال للتلاعب بالأسعار، وتكون الجودة وحدها هي الضامن للربح،ويكون الإتقان، هو الفيصل في الميدان، ويمنع السبيل إلى الثّراء، إلا لمن يبذل الجهد، ويصدق في العطاء، توصد أبواب الكسب غير المشروع إلى الأبد، فينفسح المجال بذلك للعبقري المبدع الفريد، والعامل المجد والمتفنن في الإتقان والتجويد، عندها تصبح منتجاتنا تنافسية ويكثر عليها الطلب من الشرق والغرب.

بالفعل إن استقلال القضاء هو الذي يحمي سيادة الدول، وهو الذي يمكن للسلم ويوطد الأمن الاجتماعي وهو الذي يمكن للمجتمع، من التمتع بالعدالة الاجتماعية، والانتفاع بها على الوجه الصحيح، وهو الذي يوفر المناخ السليم لقيام حياة اقتصادية مزدهرة، بل هو الذي يحول بين الصدامات الدولية التي يشقى بها البشر.

يؤكد ما نذهب إليه من رأي ما حدث في الماضي حيث حكم القضاء على الفاتح قتيبة بن مسلم بالانسحاب من بلاد احتلها بغير وجه حق، فحكم عليه القضاء بالانسحاب هو وجيشه منها وأمضى الخليفة عمر بن عبد العزيز ما حكم به القضاء بلا مماطلة ولا تردد، وإصدار أمره لهذا القائد بتنفيذ الحكم، وكانت النتيجة أن تبين سكان تلك البلاد عدل الإسلام وسلطان القانون فيه، فأسلموا جميعا على بكرة أبيهم اختيارا لا اضطرارا.

ويؤكده كذلك في عصرنا الحاضر ما حكم به قاضي سياتل في الولايات الأمريكية ببطلان قرارات "ترنمب" القاضية بمنع دخول مواطني سبع دول إسلامية إلى أمريكا، باعتبارها منافية للدستور الأمريكي، ومبادرة الإدارة الأمريكية بتنفيذ قرار القاضي...

حقا إن استقلالية القضاء هي التي تصنع عظمة الدول، ولا ولن تصنعها الثروة المادية مهما بلغت، ولا القوة العسكرية وإن تعاظمت، فعندما يكون حكم القضاء نافذ، ويكون القانون فوق الجميع، فإن الكل يسمع ويطيع، ذلك هو ما يضمن للأمة اكتساب أسباب القوة والمنعة والعظمة...



08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5126