من يتحمل هذا الإخفاق التربوي؟!
التاريخ: 11-5-1438 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


لا يختلف اثنان على استمرار تدهور مستوى المدرسة الجزائرية، ليس في المنظومة التعليمية فقط ولكن أيضا في منظومتها التربوية، والخطورة هنا أكبر وأعظم، إذ أصبحت للأسف غير قادرة على أداء دورها المنوط بها في المجالين معا رغم أن هذا من لب اختصاصها، ومما يؤكد هذا المعنى الحقائق الواقعية المرعبة التي نتابعها يوميا في مدارسنا بسبب تنامي ما يسمى بـ" العنف المدرسي" الذي وصل إلى حد القتل والجرح، ناهيك عن انتشار المخدرات وغيرها من أنواع المهلوسات، والمظاهر الساقطة المخالفة لقيمنا وهويتنا..!



من أكبر الأخطاء والآثام التي ارتكبت في حق المنظومة التربوية في الجزائر محاولة بعض المتحكمين في وضع مناهجها في السنوات الأخيرة فصل المدرسة عن دورها الحقيقي وهو التربية المرتبطة بالتعليم، ولعل الذي تابع نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في بداية مشوارها الإصلاحي أيام الاستعمار يلحظ اعتمادها أساسا على المنهج التربوي الملازم للتعليم والتلقين المعرفي، لأن تكوين الفرد الصالح الذي يحمل كفايته من العلم هو الوسيلة الناجعة لحفظ المجتمع من أخطار تهدد حصانته وتماسكه، لأن الأخلاق والقيم إذا افتقدها الفرد رغم تفوقه العلمي لن يكون المجتمع في مأمن من آثار ونتائج فراغه الروحي، وكلنا نقرأ يوميا في الجرائد عن أشخاص بلغوا من العلم مراتب عالية سقطوا تربويا وروحيا، فكانوا فريسة سهلة لإغراءات الحياة، فنهبوا وسرقوا وخانوا و.و.و...وهذا ما عناه الإمام محمد البشير الإبراهيمي-رحمه الله- بقوله:" احرصوا على أن تكون التربية قبل التعليم، واجعلوا الحقيقة الآتية نصب أعينكم، وهي أنّ الجيل الذي أنتم منه لم يؤت في خيبته من نقص العلم، وإنّما خاب أكثر ما خاب من نقص الأخلاق"[آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج 3، ص 264].

يقول المربي الفاضل أستاذنا الدكتور عبد القادر فضيل في مقال بعنوان"التربية عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي" معلقا على هذا الفهم العميق للإبراهيمي لشمولية ممارسة التربية والتعليم في المدارس بقوله: " التعليم عنده وسيلة، والتربية غاية، والغاية تسبق الوسيلة عند بناء الخطة، ولكن لابدّ منهما معاً (الوسيلة والغاية)، ويبرز هذا الأمر من خلال بيان دور الطريقة البيداغوجية التي تستخدم في التبليغ، وعلاقة المواد الدراسية بالمتعلم، وبحاجاته، والمسئولية الملقاة على كاهل المعلم، الذي يجب أن يعي دوره الحقيقي الذي يتجاوز تلقين المعرفة إلى ممارسة الفعل التربوي الذي يتجّه إلى تربية العقل وتزكية النفس، وتهذيب الوجدان، وصقل الذوق، وتقويم الأخلاق، ونجد هذا التصوّر واضحا في أقواله التي يوجّه بها المعلمين"[مجلة الوعي العدد الثاني سنة 2010].

على أننا لا نحمل المدرسة وحدها هذا الإخفاق التربوي وتوسع رقعة التدهور الأخلاقي الملحوظ في شريحة واسعة من شبابنا، وإنما من الإنصاف أن نشير إلى أن كثيرا من المؤسسات تتحمل مع المدرسة مأساة هذا الانحدار الأخلاقي والخواء الروحي من أهمها المسجد، والأسرة، ولعل هذه الأخيرة لم تعد تؤدي دورها كاملا كما ينبغي، مما زاد الطين بلة، ولهذا يقول الإمام عبد الحميد بن باديس-رحمه الله- منبها على ركنية دور الأسرة في التربية: "البيت هو المدرسة الأولى والمصنع الأصلي لتكوين الرجال، وتديّن الأم هو أساس حفظ الدين والخُلُق. والضعف الذي نجده من ناحيتهما في رجالنا، معظمه نشأ من عدم التربية الإسلامية في البيوت".

إن المسؤولية لعظيمة نتحملها جميعا أمام الله ثم أمام أنفسنا، بسبب إخفاقنا، مؤسسات وأفرادا، في مجال تربية فلذات أكبادنا وتعليمهم، وإن الأمن بشقيه النفسي والاقتصادي لن يتحقق ولن يكتمل إلا بتوفير منهجية في التربية والتعليم بعيدة كل البعد عن "البزنسة" السياسية و"الأدلجة" الوافدة من وراء البحار التي تريد أن تكمل دور الاستعمار في عهد الاستقلال..!

      



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5127