هذا الليل الطويل، متى ينجلي؟
التاريخ: 11-5-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


في حقبة العار والانكسار التي يمر بها العالم الإسلامي عموما، والأمة العربية خصوصا، كان من البطولة والشهامة حقا أن يقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في وجه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، معترضا  على تلفظها بعبارة  "الإرهاب الإسلامي"، ومؤكدا أن الربط بين الإسلام والإرهاب أمر ممكن،  مضيفا   "إذا التزمنا الصمت فهذا يعني أننا نقبل بالأمر.. لكنني كمسلم وكرئيس مسلم لا أستطيع القبول به"



وما يثلج الصدر في موقف الرئيس أردوغان أنه جاء في وقت لا يختلف كثيرا عن وضع الشاعر الفارس أبي الطيب المتنبي عندما قال:

وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ         فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ .

فلو أن العالم الإسلامي ـ في وضعه الحالي ـ كان يملك كمشة من القادة من معدن الرئيس رجب طيب أردوغان، لما تجرأ دونالد ترامب، ذلك الطاغية الفاسق على إهانة المسلمين جهارا نهارا وربط دينهم بالإرهاب، فبعد صدور قراره العنصري المعنون بـ"حماية الأمة من دخول الإرهابيين إلى الولايات المتحدة" الذي يمنع مواطني سبع دول إسلامية (إيران والعراق وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن) من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، قالت مصادر لوكالة رويترز إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد تغيير وإعادة تسمية برنامج للحكومة الأمريكية يهدف إلى مكافحة كل الأيديولوجيات العنيفة حتى يركز فقط على التشدد الإسلامي. وأضافت المصادر أن اسم برنامج "مكافحة التطرف العنيف" سيتغير إلى "مكافحة التشدد الإسلامي" أو "مكافحة التشدد الإسلامي المتطرف".

وفي محاولة من ترامب لتبرير موقفه الذي يستهدف مواطني  الدول الإسلامية زعم الرئيس الأمريكي أن "المسيحيين يقتلون بأعداد كبيرة في الشرق الأوسط".

وهكذا فإن أمريكا التي دمرت العراق وتدخلت عسكريا في ليبيا والصومال وسورية وقصفت السودان واليمن، تعتقد اليوم أنها ستبني عظمتها على محاربة الإسلام وقهر المسلمين، ولكن الأدهى والأخزى في الأمر هو أن يدافع بعض المسؤولين في الدول العربية الإسلامية عن قرارات ترامب العنصرية التي تظاهر ضدها حتى الأمريكيين، فقد أوردت وسائل الإعلام أن وزير خارجية الإمارات دافع عن قرار "الحظر" خلال كلمته في المنتدى العربي الروسي بقوله: " إن للولايات المتحدة حق اتخاذ قرارات سيادية، والقرار لا يستهدف دينًا بعينه". حتى أن  صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية استغربت من أن يحتج   الألمان والبريطانيون والفرنسيون والكنديون، فضلا عن بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار ترامب  القاضي بمنع مواطني سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة الأمريكية في حين التزمت بعض عواصم البلدان ذات الأغلبية المسلمة  الصمت  مما يعكس انعدام التضامن وعدم اليقين والارتباك حول الاتجاه الذي تتبناه السياسة الخارجية الخاصة بترامب، كما أشارت الصحيفة إلى أن عدم وجود وحدة بين الدول العربية والإسلامية بسبب اختلاف المصالح الوطنية الضيقة بين البلدان الإسلامية.

وإذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تفاعل بعد سويعات قليلة فقط من إذاعة خبر الاعتداء بسكين على جندي فرنسي أمام متحف اللوفر، وكتب على حسابه في تويتر يقول فيها: " إرهابي إسلامي متطرف هاجم متحف اللوفر بباريس"، فإنه تجاهل الهجوم على المسجد الكبير في مقاطعة كيبيك بكندا الذي كانت حصيلته المأسوية ستة قتلى وعدد من الجرحى من بينهم مهاجران جزائريان، والذي قام به الطالب ألكسندر بيسونت الذي قالت عنه وسائل إعلام كندية بأنه لم يخف أثناء التحقيق معه كراهيته للإسلام وتأثره بخطاب دونالد ترامب، في حين أن  رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو حارس القيم الديمقراطية الحقيقية والمدافع عن القيم الإنسانية المشتركة، لم يتردد في وصف الحادث بأنه "هجوم إرهابي"، وإبداء تضامنه الفعال مع الجالية الإسلامية بكندا.

لقد اختار دونالد ترامب شعار "لنحافظ على عظمة أمريكا"  لحملته الرئاسية المقبلة في سنة 2020 ولكن  ألا يمكن للمرء أن يتساءل عن كيفية المحافظة على عظمة أمريكا، إذا كان الرئيس الأمريكي الجديد قد بدأ عهدته الحالية باتخاذ قرارات  عنصرية، وإجراءات تهميشية، وتمييزية بين الأديان، واعتماد خطاب تشجيع الكراهية، ومعاداة الأجانب، والدوس على القيم التي صنعت عظمة أمريكا وجعلتها موطن الأحلام بالنسبة للطامحين من كل الأجناس؟ ألم تكن تلك القيم هي التي سمحت لدونالد ترامب أن يبني صرح نجاحه المالي والسياسي في أمريكا، رغم أنه ينحدر من جد مهاجر من ألمانيا وأم مهاجرة من إسكتلندا من المملكة المتحدة؟

 

 



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5129