الدجال وإقامة الحدّ: المنهج والمزاج
التاريخ: 17-5-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


انقلاب الأحوال واختلال القيم من أشراط الساعة التي تحققت، وبعضها لم يقع وإن بدت بوادره، لكن الغريب أن من أهم هذه الأشراط قد وُجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قد يُفهم، على أساس أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في حدّ ذاتها إيذان بقرب يوم القيامة، كما ورد في صحيح البخاري (7/53)" بُعثت والساعة كهاتين" - وأشار إلى السبابة والوسطى- ولكن الذي يُستغرب هو موقف النبي صلى الله عليه وسلم من علامة ليست كباقي العلامات، وهو موقف يعصف بما يعتنقه البعض من "قطعيات" تُعتنق، ولا سبيل فيها لأدنى مراجعة !



أخرج مسلم (4/2240) عن عبد الله بن مسعود قال: "كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمر بابن صياد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد خبأت لك خبأ، فقال: دُخ (تتمة دخان ولم يتمها) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسأ، فلن تعدو قدرك، فقال عمر: يا رسول الله، دعني فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه، فإن يكن الذي تخاف لن تستطيع قتله".

وفي رواية أخرجها البخاري ومسلم - بعد مطالبة عمر بضرب عنقه- : " إن يكنه فلن تُسلّط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله".

وأخرج البخاري (9/109) ومسلم (4/2234) عن محمد بن المنكدر قال: "رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله: أن ابن الصائد الدجال، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم".

وأخرج مسلم (4/2241) عن أبي سعيد الخدري قال: "صحبت ابن صائد إلى مكة ! فقال لي: أما قد لقيتُ من الناس، يزعمون أني الدجال، ألستَ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لا يولد له؟ قال: قلت: بلى، قال: فقد وُلد لي، أوليس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة؟ قلت: بلى، قال: فقد ولدتُ بالمدينة، وهذا أنا أريد مكة، قال: ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو..."

لسنا ندري ما الذي حصل لابن صياد بعد ذلك في الأزمان المتطاولة، وإلى الآن، وهل هو الدجال كما حلف على ذلك جابر بن عبد الله، ومن قبله عمر بن الخطاب رضوان الله عليهما، وإن أوحى النص الأخير بغير ذلك، أو أبقى على الشكّ القائم أصلا، ولكن الذي ندريه حتما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر حلفه على شيء لم يكن له فيه يقين، والنبي نفسه بدا عليه التردد وهو يتكلم عن حقيقة ابن صياد: " إن يكنه فلن تُسلّط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله".

  والأكثر من ذلك أن الصحابة صحبوه معهم إلى مكة، وجالسوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بالمرصاد لكل من يتفوّه بكلمة: يقرّه عليها أو يأمر بالتكفير، وفي كثير من الحالات لا يزيد على أن يبتسم، وقد أوحت مواقف الكثيرين منا بأن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم تكاد تتلخّص في صورة "شرطي" يترصّد لأي خطأ في القول أو الفعل، ليصححه أو يعاقب عليه !

غير أن الأمر اللافت هو إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن صبي تهرَّب من الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فحين سأله النبي: "أتشهد أني رسول الله"؟ أجابه ابن صياد -كما جاء في إحدى روايات البخاري (8/40)-بالقول: "آمنت بالله ورسله" وقال له في رواية أخرى- كما في البخاري أيضا (4/70): "أشهد أنك رسول الأميين"؟ ! أي: لست مبعوثا لليهود، وفي رواية ثالثة عند مسلم (4/2240) قال ابن صائد: " لا، بل تشهد أني رسول الله.."؟!

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/174): " قال الخطابي: وإنما لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله - مع ادعائه النبوة بحضرته- لأنه كان غير بالغ، ولأنه كان من جملة أهل العهد، قلت: الثاني هو المتعيّن، وقد جاء مصرَّحا به في حديث جابر عند أحمد، وفي مرسل عروة: فلا يحل لك قتله.."

حاطب بن أبي بلتعة يحاول إفشاء سرّ رسول الله في تجهّزه لأهل مكة، ويطلب منه عمر أن يَضرب عنقه، فيعفو عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وتبلغ جنايات عبد الله بن أبي بن سلول في حق الرسول والمسلمين مبلغا عظيما، يوثقه القرآن، ويأبى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقتله، ويطلب منه الأصحاب -كما في الصحيح أيضا- أن يدعو على دوس، فيقول: "اللهم أهد دوسا" ويلتقي صبيا -جزم بعض الأصحاب بأنه الدجّال، وأبى أن يشهد بنبوة محمد- فينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عمر أن يقتله، فما بال السيوف يُشهرها البعض منا ضدّ البعض الآخر، فيما هو أدنى مما سبق، بزعم الكفر أو الفسق أو البدعة، وما ثمة إلا الهوى المتّبع، والرغبة في الإقصاء، تنال من الأطراف ابتداء، لترتدّ على الذات انتهاء!

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5133