نهاية الدولة الشمولية - 02
التاريخ: 17-5-1438 هـ
الموضوع: تاريخ و حضارة


لقد استطاعت الأنظمة الشمولية أن تستثمر النخب المتعلمة في مشروعها الفاشل في إدارة الدولة، وتمكنت من رسم مسار هذه النخب داخل منظومة الحكم والسياسة، فأبدعت وظائف مناسبة لوضع هذا المثقف أو ذاك، حتى تشغله عن وظيفته الأساس، وتحوّل المثقف إلى مجرد خادم لهذه السلطة، يطيعها في الحق وفي الباطل، ويخدم سياستها حتى وإن شوَّه صورته عند النَّاس، والواقع العربي –اليوم- 

       خير مثال على هذا، فالمثقف الذي كنا نلمح فيه وفي مساره الثقافي والعلمي، صورة المثقف الواعي الذي يسعى لخدمة وطنه وأمته، سرعان ما تزول هذا الهالة من التقدير والاحترام، عند أول امتحان في علاقته بالسلطة، فيصبح مجرد تابع لهذا النّظام المستبد الظالم، ونراه يدافع بكلّ ما أتي من قوة، على سياسة هذا النّظام، ويحضرني في هذا المقام "الحالة المصرية"، فقد رأينا مجموعة من الكتاب والمثقفين البارزين، كيف انخرطوا في منظومة انقلابية، جاءت ضد إرادة الشعب المصري بعد الثورة التي أسقطت نظاماً شمولياً كبيراً، وقد كان لكثير منهم، مكانة خاصة في قلوب ووجدان الشعوب العربية، ومن بينهم هؤلاء: أحمد كمال أبو المجد، جلال أمين، حسن حنفي، علي جمعة، نصر محمد عارف، وغيرهم كثير، فقد كان لمواقفهم –هذه- حالة من الاستنكار والاستهجان، لدى قطاع كبير في البلدان العربية والإسلامية، ممن كانوا ينظرون للحالة المصرية نظرة تفاؤل وترقب، لتحولات سياسية كبيرة في جميع البلاد العربية تالية للحالة المصرية، لكن الانتكاسة التي منيت بها الثورة المصرية، قطعت حبل التفاؤل وانتظار التغيير المنشود، وأربكت الضمير العربي والمسلم، وتحول التفاؤل إلى حالة من الانتكاسة العامة، والخوف من كلّ تغيير، وانكفأ الشعب العربي على ذاته، مسلماً قدره لله رب العالمين، وبالرغم من هذه الانتكاسة الخطيرة، إلاّ أنّ التحوّل الحقيقي الذي ننتظره وننشده سيكون في هذه الأمة، لأن هذه النماذج التي تحكم الأمة منذ الاستقلالات الوطنية، لم يعد بإمكانها مواصلة مسارها السياسي المشوه، الذي هو امتداد لمرحلة الاستعمار الغربي لبلادنا، حتىّ وإن بدا أنَّ الفشل الذي طال حركة الأمة نحو التغيير -خصوصاً مع الثورات المضادة التي أعات حالة التشوه للدولة- فإنَّ نهاية الدولة العميقة الشمولية آيلة للسقوط والتفكك، لأنَّ العصر لم يعد يقبل هذه النماذج، وإلاّ تحول التشوه الذي أحدثته الدول الشمولية إلى حالة من الفوضى المستمرة التي تشكلّ خطراً كبيراً على العالم بما فيه دول المشروع الاستعمار الغربي، ومن هنا يبقى السؤال المطروح الذي يفرض نفسه، هل سيكون التغيير من داخل المجال التداولي للأمة؟ أم أننّا ننتظر ما ستسفر عنه جملة التحولات السياسية التي يدفع بها المشروع الاستعماري الغربي، نحو العالم الضعيف لخدمة مشروعه؟ ومن ثمّ سنتخلص من نموذج مشوه عهدناه، لنستقبل نماذج أكثر تشوه، والله المستعان.



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5137