ذكريات عن المجاهد والعالم والدبلوماسي الشيخ "إبراهيم مزهودي"-رحمه الله- (1)
التاريخ: 17-5-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


مرت حوالي سبع سنوات عن رحيل العلامة المجاهد الشيخ إبراهيم مزهودي الذي وافته المنية في الثاني عشر من ربيع الأول 1431 هـ الموافق للسادس والعشرين فيفري 2010م، عن عمر ناهز 88 سنة، ودفن بتوصية منه في مسقط رأسه، فهو من مواليد 9 أوت 1922م بالحمامات في ولاية تبسة. 



حفِظَ نصيبا من القرآن الكريم في قريته، وانتقل إلى مدرسة تهذيب البنين والبنات بتبسة، التي أسسها الشهيد الشيخ العربي التبسي في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي (العشرين). ثم التحق بجامع الزيتونة بتونس، وعاد بعد حصوله على شهادة العالمية إلى تبسة في منتصف الأربعينيات وعمل مدرسا بها.

التحق بثورة التحرير في عام 1955م، بترشيح من الشيخ الشهيد العربي التبسي، ثم انضم إلى جيش التحرير في الولاية التاريخية الثانية عام 1956 وترقى إلى رتبة رائد (ضابط سامي)، وأصبح نائبا لقائد الولاية التاريخية الثانية الشهيد البطل يوسف زيغود –رحمه الله - وكان من القيادات البارزة التي حضرت مؤتمر الصومام سنة 1956م، وشغل منصب أول أمين عام للحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة الرئيس فرحات عباس –رحمه الله -.

وبعد الاستقلال، كان من الأعضاء الذين رشحتهم الولاية الأولى كنائب في المجلس الوطني التأسيسي، رجالا ونساء، وترأس "لجنة التربية والثقافة"، وكان من بين تلك الثلة الفاضلة من قدامى جيش وجبهة التحرير الذين دافعوا عن ترسيم الثوابت الوطنية في أول دستور للجمهورية الجزائرية المستقلة من دين ولغة بعد معركة برلمانية شرسة مع التغريبيين في المجلس التأسيسي.. وكانت خاتمة هذه الفترة النيابية أن سُجن في الصحراء الكبرى، رفقة زملاء آخرين من طرف نظام الرئيس الراحل أحمد بن بلة، رغم الحصانة البرلمانية التي يتمتع بها النائب، وعندما سأل عنه أحدُ زملائه النواب، ألحقوه به، ووضعوهما في زنزانة واحدة.

في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين شغل منصب سفير الجزائر في القاهرة من سنة 1971م إلى سنة 1974م، كما تميز بنشاطه الدعوي في مساجد العاصمة ومسجد بلدية الحمامات الذي أسسه في العهد الاستعماري، والده الشيخ عبد الله، عليه رحمة الله، على جزء من قطعة الأرض التي تضم مسكنه العائلي.

للأسف لم يكتب المجاهد العلامة الشيخ إبراهيم مزهودي مذكراته، رغم أنه كان من المثقفين المتضلعين في علوم اللغة العربية وفنونها التعبيرية، ورغم حياته الطويلة الحافلة بالأحداث والبطولات والانعطافات التاريخية الكبرى في تاريخ الجزائر التي كان شاهدا عليها وفاعلا في بعض مراحلها، ربما يعود ذلك إلى الحساسيات المتعلقة بكتابة التاريخ الوطني، أو ربما يعود السبب إلى طبيعته الشخصية المتصفة بالزهد في الدنيا، إذ عاش حياته متقشفا عفيفا عميق الإيمان بأن ما عند الله تعالى خير وأبقى، كما أن الشيخ الراحل ينتمي إلى تلك الفئة من الجيل الثوري المجيد الذي يكره الأنانية والذاتية والتفاخر، وثمّن فكرة ومبدأ القيادة الجماعية الذي اتخذته ثورة التحرير المظفرة شعارا لها؟!

قبل تسع سنوات، وبالضبط في 14 أوت 2008م، قمنا - الأستاذ نوار جدواني المدير السابق للمكتبة الوطنية وعضو المجلس الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المكلف بإحياء تراث الجمعية ( الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في شهر نوفمبر 2015م) وأنا عبد الحميد عبدوس/ كاتب هذه السطور- بزيارة فضيلة الشيخ إبراهيم مزهودي في بيته الكائن بشارع محمد الخامس رقم 51 بالجزائر العاصمة، وكان الشيخ رئيسا شرفيا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كانت صحته معتلة فكان يسهر على شؤونه ابنه البار عبد الله، حفيد الشيخ العلامة مبارك الميلي-عليه رحمة الله-

كانت الزيارة للاطمئنان على حالة الشيخ، لكن الحديث جرنا لمحاولة أخذ شهادته باعتباره فاعلا تاريخيا عن مرحلة تاريخية يكثر التجاذب حولها، وهي قضية علاقة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بثورة التحرير، فكانت كلما حلت الذكرى التاريخية المزدوجة المعروفة وطنيا بيوم المجاهد والمصادفة لهجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955م، وانعقاد مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956م تتصاعد أصوات من شخصيات تاريخية ومقالات إعلامية وآراء مؤرخين تذهب إلى القول بأن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تأخرت عن اللحاق بركب ثورة التحرير المجيدة، وأنها لم تنضم رسميا إلى الكفاح التحرري إلا في سنة 1955م سنة ومنهم من يؤخرها إلى سنة 1956م ، أي بعد عامين من اندلاع الثورة، ورغم أن العلامة المجاهد الرئيس السابق لجمعية العلماء المسلمين الشيخ عبد الرحمن شيبان قد تصدى للرد على هذه التهم في عدد من مقالاته المنشورة في جريدة البصائر في ركن "سانحة" والتي جمعها الأستاذ نوار جدواني في كتاب بعنوان (حقائق وأباطيل)، كما كان مفتي الجزائر والرئيس الأسبق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، العلامة المجاهد الشيخ أحمد حماني –رحمه الله- قد خصص في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي العديد من كتاباته ومحاضراته لمناقشة والرد على مقولة تأخر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الالتحاق بثورة التحرير...

يتبع



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5139