بداية المعركة الدبلوماسية
التاريخ: 24-5-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


"سلام فياض" أول الضحايا

 

بعد استلام السيد "انطونيو غوتيريس" لمنصبه كأمين عام للأمم المتحدة خلفا لسلفه "بان كيمون" قام بسلسلة من الإجراءات التنظيمية التي من شأنها تحسين الأداء والرفع من مستوى المصداقية الذي أصبح حديث الكثير من المتتبعين لأحوالها، وكان أول هذه الإجراءات تعيين مبعوث شخصي له إلى ليبيا هو السيد "سلام فياض" رئيس حكومة السلطة الفلسطينية السابق، وهو بالمنطق السائد من مواطني دولة من دول أمريكا اللاتينية، لأنه نشأ وترعرع فيها ودرس وتكون ككل مواطنيه الموزعين في أصقاع الأرض "الشتات" ومع ذلك لم يشفع له ذلك، تدخلت الإدارة الأمريكية لعرقلته بل وإزاحته لأنه فلسطيني الأصل والهوية أولا، ولأنه ثانيا يمكن أن يساعد على إيجاد حل للمعضلة الليبية التي لا تريد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إيجاده، بل إبقاء الأوضاع في هذا البلد على حالها؛ بل ولربما أيضا لعرقلة السيد "غوتيريس" المعروف عنه أنه من الاشتراكيين البرتغاليين المتعاطفين مع الشعوب المكافحة والمظلومة وكل القضايا العادلة في العالم، وقد سبق له وأن كان ممثلا شخصيا للأمين العام للأمم المتحدة مكلف بشؤون اللاجئين.

محمد الحسن أكيلال



 

 

هذه العرقلة الأمريكية التي أسرت رئيس حكومة تل أبيب جعلته يسارع إلى رفع الهاتف للاتصال بالرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ليشكره على فعلته حتى قبل الزيارة المبرمجة للولايات المتحدة واللقاء المباشر به. هذه الزيارة التي ستكون في هذه الأيام القليلة القادمة والتي لاشك أنها ستكون فاتحة لصفحة جديدة لعلاقات أحسن من كل سابقاتها حسبما يتصور "نتانياهو" السعيد جدّا بوصول السيد "ترامب" إلى البيت الأبيض في هذه السنة بالذات، سنة الذكرى المئوية لوعد "بلفور" وسنة انسحاب بريطانيا العظمى من الاتحاد الأوروبي، وبداية صعود تيار اليمين المتطرف في كثير من الدول الأوروبية.

 

الأكيد أن الرئيس الأمريكي الذي بدأ عهدته بالخطاب والقرارات الصادمة للعالم عامة وللأمريكيين خاصة يعرف ما يفعل وما ينوي فعله، ليس كما يصوره البعض أو يتصور بأنه جاهل بالسياسة وبالمصالح الأمريكية، فهو منذ البداية أعلن رفضه التام لسياسات بلاده، سواء تلك التي تبناها سلفه "باراك أوباما" من الحزب الديمقراطي، أو حتى تلك التي تبناها حزبه الجمهوري في عهد "جورج بوش الابن" الذي كان أول من اقترح "حل الدولتين" ورسم لذلك خارطة طريق كانت بمثابة الطعم الذي منح الكيان الصهيوني الوقت اللازم لتنفيذ سياسته الرامية إلى شرعنة الاحتلال لكل الأراضي المحتلة عام 1967 وتأجيج وإطالة أمد الخلافات الفلسطينية الفلسطينية؛ "ترامب" البراغماتي يريد صياغة سياسة أمريكية جدية كل الجدة داخليا وخارجيا، إنه رجل أعمال  مغامر، وقد درس جيدا أوضاع العالم من حوله، وعرف أن اليمين الذي أوصله إلى سدة الحكم في بلاده سيوصل كثيرا من أمثاله في أوروبا الغربية، ولم لا في كل أوروبا بما في ذلك تلك الدول التي كانت تابعة للمعسكر الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية. حسابات الرجل بمنطقه دقيقة وواقعية، فهي تبدأ من استعادة الجبروت لبلاده خارجيا ولحزبه داخليا، لأن منطق القوة فوق الحق الذي رضعه منذ صغره هو في صميم عقيدته الرأسمالية الاستعمارية، وبذلك المنطق تأسست بلاده في أرض غير أرض أجداده على جماجم وأجساد الهنود الحمر – السكان الأصليين للقارة – وما كان يراه من انحسار دور بلاده في الخارج لا يعالج دون سياسة العصا الغليظة وإخضاع كل دول العالم لمنطقه الإمبريالي هذا قبل فوات الأوان بتقاسم هذا الدور مع القادم الجديد الصين الشعبية متحالفة مع روسيا الاتحادية.

 

المعركة الدبلوماسية

 

منذ اتفاق "أوسلو" بدأت منظمة التحرير الفلسطينية تحول نضالها تدريجيا من العمل العسكري وشبه العسكري إلى نضال سياسي ودبلوماسي سرعان ما تهاوى أمام التماطل والعبث الأمريكي الصهيوني الذي أوصل المفاوضات إلى طريق مسدود؛ ولولا الطمع الذي اتسمت به حكومة اليمين المتطرف الحالي من كون السلطة والسيد "محمود عباس" – خاصة – قد وصل إلى حد القبول بالأمر الواقع وأنه يقبل بكل الشروط التي يملونها عليه لما تحرك هذا الأخير لطلب العضوية في الأمم المتحدة، وقد استجيب بالحد الأدنى. منح العضوية كمراقب ورفع العلم الفلسطيني – ليس في صف سواري الأعلام الأخرى - بل في الحديقة الداخلية لمبنى الأمم المتحدة لتفادي إزعاج دولة الكيان الصهيوني، ومع ذلك كانت البداية المحتشمة لتصعيد العمل الدبلوماسي الفلسطيني على مستوى العالم، مع التهديد في كل مرة بالعودة إلى طلب العضوية الكاملة والعضوية الكاملة في أكثر من 18 منظمة فرعية ومحكمة العدل الدولية بــــــ "لاهاي"، وتقديم ملف عن كل الجرائم التي اقترفها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني منذ بداية الاحتلال.

 

هذا الموضوع بالذات الذي سوف يكون موضوع التداول بين "نتانياهو" و "ترامب" الذي لا شك أنه يعرف أنه لا ولن ينجح في مهامه دون الاتكاء على اللوبي الصهيوني في بلاده والتوكؤ على دولة الكيان الصهيوني، ومن ثم فإن الحديث بين الرجلين هو حديث بين طرفين يختلفان كثيرا من حيث المستوى السياسي والدهاء، فـــ "ترامب" كرجل أعمال كان حديث العهد بالسياسة ليس كـــ "نتانياهو" السياسي الداهية الذي تمرس بين كثير من كبار ساسة "تل أبيب" وآخرهم "شارون" وقبله "إسحاق شامير".

 

للسلطة الفلسطينية الآن أن تتخلى عن التريث والمماطلة في تقديم الملفات التي كانت في كل مرة تعلن عن تقديمها، وإلاّ فإن بداية السيد "ترامب" ستكون ليس بعرقلة "سلام فياض" عن التوظيف في الأمم المتحدة فقط بل ستصل الأمور إلى الضغط على الدول التي منحت اعترافها لدولة فلسطين لسحب ذلك الاعتراف.

 

على السلطة أن تبادر بالهجوم وعدم الاكتفاء بسياسة رد الفعل التي يعرفها الصهاينة جيدا وحكام "تل أبيب" خاصة لأن تغييرا جذريا سيطرأ على النظام العالمي الجديد وكل العلاقات الدولية واستغلال الظرف بذكاء سيمنح القضية حظوظا أخرى غير تلك التي كانت في العقود الماضية.

 

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5145