ذكريات عن المجاهد والعالم والدبلوماسي الشيخ "إبراهيم مزهودي"- رحمه الله- (2)
التاريخ: 24-5-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


تناولنا في الحلقة السابقة خبر زيارتنا (الأستاذ نوار جدواني، وأنا كاتب هذه الأسطر) في سنة 2008 لمنزل العلامة المجاهد الشيخ إبراهيم مزهودي  للاطمئنان على صحته ولمعرفة رأيه في مقولة تأخر جمعية العلماء المسلمين عن الالتحاق بالثورة.



 

كان من أبرز الشخصيات التاريخية وأشدها إصرارا على ترديد مقولة تخلف الجمعية عن الالتحاق بالثورة المجاهد الراحل والقائد الثوري الوزير الأسبق والسيناتور السابق أحمد محساس – رحمه الله – فعلى سبيل المثال لا الحصر صرح المجاهد علي محساس في حوار منشور بجريدة صوت الأحرار بتاريخ 10 أوت 2008 جاء فيه: " ...مؤتمر الصومام غير شرعي، وقراراته ضد بيان أول نوفمبر 1954..وأن عبان رمضان وجد نفسه وحيدا بعدما تخلت عنه زمرته...وأن فرنسا أطلقت بعض المسجونين من أجل "احتواء" الثورة وافتكاكها من أيدي التيار "الراديكالي"، أضف إلى ذلك الموقف المعادي للثورة الذي قام "مصالي" وأنصاره، وحتى الحزب الشيوعي كان ضدنا وبقي أعضاؤه مترددين، تحركهم قناعاتهم الإيديولوجية الشيوعية...أما جمعية العلماء فلم تؤيد الثورة إلا في مارس 1955..."

ولاشك أن المجاهد علي محساس- رحمه الله – هو من القيادات البارزة في الحركة الوطنية الاستقلالية، وفي ثورة التحرير ولابد أن يكون لكلامه تأثير في رؤية التاريخ الوطني، ولذلك حرصنا على محاولة جر الشيخ إبراهيم مزهودي للإدلاء برأيه في الموضوع. لقد حرص الأستاذ نوار جدواني على تسجيل محتوى اللقاء وتفضل بإعطائي نسخة من ما سجله بقلمه، ومما جاء فيها: "... في يوم الخميس 14 أوت 2008 اتصلنا (عبد الحميد عبدوس وأنا) بالشيخ إبراهيم مزهودي في منزله وجلسنا إليه من بعد صلاة العصر- التي أديناها معه – إلى قرب صلاة المغرب، ونحن نتحاور معه، ونحاول أن نظفر منه بمعلومات عاشتها الثورة، وقد كان له فيها دور، وشاهد عيان على تلك الفترة، ولكنه كان - في كل مرة – يبدي ترددا في الجواب، ويحاول أن يتملص منه...ولكن إلحاح الأستاذ عبدوس على أن هذا تاريخ، وأنت أحد شهود هذه الفترة الحرجة في تاريخ ثورتنا التي لم نحضرها، لذلك لابد أن تكتبوا ذلك التاريخ، وللأجيال الحاضرة والقادمة أن تحكم، فإذا بقيت تلك الأحداث سرا، ورحلت مع صانعيها، وشاهديها، فإن الأجيال الحاضرة والمستقبلة لن تهتدي إلى الحقيقة التي عشتموها، وقد يقرؤونها مشوهة.

وهنا، اعتدل الشيخ بعدما كان يحدثنا وهو شبه ممدد لضعف في البدن، بسبب مرض "السكري" الذي أنهكه لثلث قرن، ثم قال: " وهل  كل ما حدث يكتب أو ينشر؟...انظروا إلى التاريخ، منذ بدأ الخليقة...أخ يقتل أخاه، ويحتار كيف يواري سوأته...تاريخنا – منذ بدأ الرسالة - رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مسجى على فراشه البسيط، والصحابة – في السقيفة – يختلفون: منا أمير، ومنكم أمير...! الخليفة الراشد، عمر الفاروق، يغتال في المحراب وهو يصلي بالناس...الخليفة الراشد عثمان بن عفان، الصحابي الجليل الذي تستحي منه الملائكة...ذو النورين، يغتال وبين يديه المصحف – الذي أمر بتدوينه – وهو يتلو كتاب الله...علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الذي تربى في بيت النبوة، وكرم الله وجهه، إذ لم يسجد لصنم قط، يغتال في المسجد أيضا وهو يؤم الناس لصلاة الفجر...وابنه الحسين، رضي الله عنه سبط – سبط النبي، صلى الله  عليه وسلم- يقطع رأسه في كربلاء ويرسل به إلى دمشق، مقر الخلافة، فهل ننشر كل هذا، وهو من وقائع تاريخنا؟! وبعد ذلك عقبة بن نافع الذي أخرجنا من ظلمات الوثنية إلى نور الإسلام... هذا تاريخ نقرؤه...والثورة الجزائرية، وقعت فيها أشياء موجعة، ولكن الواقع قد يفرض عليك أن تلجأ أحيانا لبتر عضو أو أعضاء لكي يتمكن الجسم من مواصلة رحلة الحياة حتى النهاية.

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تكن مهمتها حربية، ولكنها أنارت العقول، وأيقظت الأمة، ونشرت العلم بمدارسها، ونواديها، ومساجدها، وصحافتها، فقامت بمهمتها الثقافية، التعليمية، التنويرية، التربوية، على أحسن وجهه، لكن إعداد الشباب للمهام الحربية تحملت عبئه بالأساس الحركة الوطنية الممثلة في حزب الشعب، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وأنا حين انضممت إلى الثورة كان ذلك بتوجيه من الشهيد الشيخ العربي التبسي بصفته عالما ثائرا...وكان شرط الانضمام إلى الثورة، هو أن يتخلى الزعيم أو العضو عن مبادئ حزبه، وينضم تحت لواء جبهة التحرير الوطني وليس ممثلا لحزبه... ومن هنا انصهرت كل الأحزاب في بوتقة الثورة، وأصبح الهدف واحدا هو تحرير الجزائر...!

أما بخصوص مؤتمر الصومام، فقد كان مقررا له أن يعقد في الولاية الثانية، لقربها من الحدود التونسية التي هي امتداد للحدود الليبية، والتي يسهل الدخول منها إلى الجزائر، والخروج منها أيضا...وقد انتظرنا الوفد القادم من المشرق العربي قرابة نصف الشهر، ولكنهم لم يأتوا، ولم يعتذروا، وقد أشيع – بعد ذلك– أنهم لم يستدعوا إلى المؤتمر! وهذا مخالف للحقيقة، فهم الذين لم يحضروا، ثم بعد ذلك ادعوا أن المؤتمر غير شرعي، لأن الولاية الأولى (أوراس النمامشة) لم تحضره !



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5149