لا تشد الرحال إلا لثلاث
التاريخ: 24-5-1438 هـ
الموضوع: كلمة حق


إنه المسجد النبوي الشريف، شد المسلمون الرحال إليه، من كل أرجاء الدنيا، تهفو قلوب الرجال والنساء إلى الصلاة في رحابه، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، للسلام عليه وعلى صاحبيه أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأرضاهما.



إنه لمشهد مهيب ترى فيه ألوانا من البشر من الأطفال والرجال، والنساء وكبار السن وهم أفواج يسيرون إلى رحابه، ويدخلون إليه من مختلف أبوابه، يصلون، ويدعون، ويبتهلون خاضعين لله، خاشعين، يرجون رحمته وغفرانه، وعفوه ورضوانه، مُلىء بهم المسجد الشريف على سعته، وتعددّ أروقته الجميلة، وتفنن أشكالها وألوانها.

هذه حلقات صباحية يتلقى روادها القرآن، وهم في الغالب من العجم الذين لا يتقنون النطق بآياته، ومن مخارج حروفها، ممن لم يتعلم العربية، وتجد بعد صلاة المغرب حلقات لبعض الشيوخ لتدريس بعض المصنفات في العقائد، وفي الفقه.

إنه لمسجد عامر بذكر الله، يعمره المؤمنون من كل عرق، ومن كل لسان، وأكثر من تراهم من الآسيويين والأفارقة، وأغلبهم من الطبقات الوسطى ومن الفقراء الذين كتب لهم أن يجمعوا ما جعلهم يَصِلون لهذه الديار المقدسة، للعمرة والزيارة.

يقبلون على قراءة المصاحف التي صففت على العرصات، أو الأسطوانات وبعضها مع "التفسير الميسر" الواضح السهل، الذي أعدّ للقراءة والترجمة.

وإني أشاهد من نافذة غرفتي في الفندق "هرموني" الدور الثاني عشر (1226غرفة) جبل أحد الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "جبل يحبنا ونحبّه" وإنه لمشهد يذكرنا بتاريخ هذا الإسلام، وجهاد الصحابة من المهاجرين والأنصار، وما تحملوه من أذى المشركين العتاة وظلمهم، فجازاهم الله بما صبروا ورابطوا، أن نصرهم وثبت أقدامهم، فنشروا هذه الرسالة في العالمين، فبفضل الله ثم بفضل قوة إيمانهم، ننعم اليوم من مختلف أنحاء العالم بالتمتع ببركة هذه الديار، التي ابتدأ بها تاريخ الإسلام وأمته العالمية.

ففي هذه المدينة المنورة، وفي رحمها نشأت الأمة، وأشعت بحضارتها على العالمين، إنها كانت نواة أمة ابتدأت بفرد واحد، ولكنه كان أمة، كما كان إبراهيم عليه السلام أمة، نواة أمة، في جنين التاريخ.

ولكن ما حال هذه الأمة اليوم؟ كنت أفكر وأنا في المسجد النبوي اليوم يوم الجمعة 20 جمادى الأولى 1438هـ/ 17/02/2017م هل جاء هؤلاء الجماهير لتغيّر حالها إلى ما هو أفضل؟ أم أنهم جاؤوا لمجرد التبرك، ولا يفكرون في سبيل تغيير ضعفهم إلى قوّة، وهوانهم اليوم على الناس إلى عزة؟ وهل هذا الشباب الذي أراه أمامي تهزه العزائم والهمم إلى اكتساب العلم، سرّ التقدم اليوم، وهل يفكرون في النهوض بأمتهم بما يسمى اقتصاد المعرفة؟ واستعمال طاقتهم العقلية بما يحقق ذلك في الجامعات ومراكز البحوث؟

إن ما ورد في الحديث المشهور من تجديد الدين، دين هذه الأمة، في كل قرن يبتعث الله فيه من يقوم بتجديده، تجديده في قلوب المسلمين، وفي نفوسهم، وفي مسالكهم في الحياة التي تقوم على القيم الإسلامية، ومنها العلم، فلا تحتاج إلى غيرها من الأمم، في سبيل حياتها من علم وخلق وثقافة وغذاء ودفاع عن نفسها، وعن قيمها وأوطانها وثرواتها، ولا تكون عالة على غيرها، ونحن نعلم تشابك الأمم والثقافات وتبادلها ولا تستغني أمة من الأمم عن غيرها، ولكن نريد أن تكون الأمة الإسلامية، المتجددة لها كلمتها في المجتمع الدولي، محترمة الجانب لها هيبتها ومقامها في الميزان الدولي الحضاري لا أنها منعزلة عن عصرها.

هذا الذي نأمل أن يقوم به شباب الأمة بالنهوض بها، وتجديدها في فكرها، وثقافتها، وعلمها، واقتصادها، وتقنيات عصرها، فأين العزائم وما أحسبها إلا آتية وإن غدا لناظره قريب.

تتحوّل فيه قيمنا التي تنادي بها إلى واقع اجتماعي نحياه، ويراه العالم في مشهد محسوس لا في مجرد الكلام.

 



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5150