سماحة النبي..أو المثال حين يفوق القيمة تمثّلا
التاريخ: 2-6-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


يبدو أن سماحة النبي صلى الله عليه وسلم ليس لها حدود، وأن الوصف القرآني لأخلاقه من العظمة بحيث يعجز خيالنا عن أن يحيط بها، فضلا عن أن يتمثّلها! ولو قُدِّر للسماحة أن تنطق لأخبرت بأن المثال-في رسول الله- يفوقها وضوحا ونصاعة، على غير ما جرت به العادة، في التمثيل للمعاني المجرَّدة بالأمثلة المقرِّبة، وكأن السماحة غدت مع كمال الرسول مجرد مثال، وأن تَرُدّ التحيّة على حيٍّ بأحسن منها فتعاملٌ بالفضل، لكن أن تكافئ ميتا في قبره فصنيع رسول يؤسِّس للفضل والسماحة، حين تتجاوز حدود التصوّر والخيال.  



أخرج البخاري في صحيحه (2/92) ومسلم (4/2141) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: "أتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ابنَ أبيّ بعد ما أُدخل حفرته، فأَمر به فأُخرج، فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم، وكان-أي ابن أبيّ- كسا عباسا قميصا، قال سفيان: وقال أبو هارون: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان، فقال له ابن عبد الله: يا رسول الله، ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك، قال سفيان: فيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع".

عبد الله بن أبيّ زعيم لطائفة تُظهر الإسلام وتبطن الكفر، ولها في الكيد لهذا الدين مواقف وثّقها القرآن الكريم، ومع ذلك عاملهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أساس ما يعلنونه، ولم يعاقب أحدا على نية أخفاها، إلا أن يرتكب حماقة ظاهرة يستحق بها العقاب، ويستوي فيها مع أي مسلم يبدر منه مثلها، وقد مرّ معنا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم صدّق عبد الله بن أبي في نفيه لما اتهمه به زيد بن أرقم- وكان غلاما- حتى نزل القرآن بإدانته، ومع ذلك لم يُؤثر أن النبي عاقبه، ولما طالب عمر بضرب عنق ابن أبي لما قال ما قال في إحدى الغزوات قال له النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري (6/154)-: "..دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". فمنّ عليه بوصف الصحبة !

الذي ثبت في الصحيح أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى بردته لابن عبد الله بن أبيّ، ليُكفِّنه فيها، بناء على طلبه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى عليه بعد وفاته، فهل ما جاء في هذا الحديث كان مبادرة من النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان استجابة لطلب ثان من الابن، حرصا على أبيه لِما يعلمه فيه من نفاق، أو ربما كان طلبا من زعيم المنافقين نفسه، كما جاء بذلك خبر، يبدو أن البيهقي في الدلائل قد تفرّد بإيراده، وهو خبر منقطع وفيه الواقدي !

يبدو أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع ابن أبيّ من فتح القبر عليه وإلباسه لقميصه إنما كان قبل نزول ما نزل من نهي في قوله تعالى في سورة التوبة:{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ...} ولا يُتصوّر أن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم ما ورد من نهي عن مجرد الوقوف على القبر.

 لقد كان من سماحته صلى الله عليه وسلم وإشفاقه على المدعوين حريصا على إسلام من كفر، وتوبة من عصى، وكل ما فعله مع ابن أبيّ كان الدافع الأساسي فيه -فيما أقدِّر- هو إشفاقه على الرجل من أن يدخل النار، وقد يكون إكرام ابنه دافعا ثانيا، كما نصّ على ذلك أكثر من إمام، ولذلك قد لا يكون دقيقا ما ذهب إليه ابن الأعرابي-فيما نقله عنه الخطابي في معالم السنن (1/298) حين قرّر أن فعل الرسول مع ابن أبي كان "تأليفاً لابنه، وإكراماً له، وكان مسلماً بريئاً من النفاق، ومجازاة ؛ لأنه كان قد كسى العباسَ عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصاً، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يكافئه على ذلك، لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها". ولو كان لهذا الأمر الأخير دخل فلِمَ لم يجازه النبي صلى الله عليه وسلم قبل مماته، ولِمَ ينفث عليه من ريقه الشريف، إلا أن يكون طمعا في رحمة الله وفضله على ابن سلول، وهو القائل-بعد نزول قوله تعالى في السورة نفسها{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ}-"إنما خيرني الله..وسأزيده على السبعين.."كما في صحيح البخاري (6/67) مع تذكير عمر بن الخطاب له بأن الرجل منافق-كما في نفس الخبر، لما همّ بالصلاة عليه، نزولا عند طلب ابنه: " أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه.." وقد كان، حتى نزل قوله تعالى:{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ}.

 

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5153