ثغرة في جدار التعنت والإنكار؟
التاريخ: 2-6-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


خطا المرشح الحر، أو المرشح الوسطي للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجري في 27 نيسان/أبريل2017م، وزير الاقتصاد الفرنسي السابق إيمانويل ماكرون، خطوة كبيرة باتجاه إخراج الذاكرة الفرنسية من مستنقع العار والهمجية الذي لطخ تاريخها الحديث، وخصوصا تاريخها الاستعماري وجرائمها المتلاحقة في الجزائر طوال 132 سنة مضت، والتي  يصيب بمجرد ذكرها المسؤولين الفرنسيين بالتشنج والتوتر العصبي. لقد ظل ذلك التاريخ الأسود يشكل عقدة مستحكمة في علاقة المسؤولين الفرنسيين بالجزائر الذين حاولوا التهرب منها بالتوغل في منطق الانكار ورفض الاعتراف بتلك الجرائم، بل ظهرت على مدى عقود من الزمن، نغمة التفاخر بالتاريخ الفرنسي، وتشجيع الفرنسيين على تمجيد تاريخهم، ومن ذلك مصادفة البرلمان الفرنسي في سنة 2005م على قانون يمجد الاستعمار، ولذلك كان من المهم جدا بالنسبة لنا كجزائريين أن نسمع تصريح نجم سياسي صاعد في فرنسا وشخصية سياسية تحظى بقسط وافر من الشعبية والاحترام داخل فرنسا عبر قناة "الشروق نيوز" الفضائية الجزائرية، وذلك خلال زيارته للجزائر في الأسبوع الماضي:"إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات".



لقد شكلت تصريحات إيمانويل ماكرون صدمة للطبقة السياسية الفرنسية، وكانت موضوع مسائلة في البرلمان الفرنسي من طرف رئيس كتلة  حزب "الجمهوريين" كريستيان جاكوب، لوزير الشؤون الخارجية جون مارك إيرو الذي ناب عنه كاتب الدولة المكلف بالشؤون الأوروبية بالجمعية الفرنسية هارلم ديزير الذي تفادى الرد على تصريحات إيمانويل ماكرون، مكتفيا بالقول:" إن الرهان اليوم يتعلق بسلام الذاكرة حتى وإن كان الماضي الاستعماري عنيفا ومأساويا".

أما أقطاب اليمين الفرنسي فقد اعتبروا تصريحاته بمثابة شتيمة لفرنسا، حيث صرح النائب عن الحزب الجمهوري جيرار دارمانين المقرب من الرئيس السابق نيكولا ساركوزي: "العار لإيمانويل ماكرون الذي شتم فرنسا في الخارج (بقوله) "الاستعمار الفرنسي كان جريمة ضد الإنسانية".

من جانبه قال رئيس الحكومة الأسبق جان بيار رافارين: "إيجاد تعارض بين الفرنسيين وإخراج هذه القصص بغرض التقسيم أو إعادة التعبئة، أرى وراء ذلك أغراضا انتخابية. ليس جديرا برئيس دولة أن ينبش جراحا لا تزال مؤلمة جدا".

واتهم واليران دو سان جوست المسؤول في الجبهة الوطنية لزعيمة اليمين المتطرف مارلين لوبان "أن ماكرون قام بطعن فرنسا من الخلف".

كما تعرض المرشح الرئاسي بعد تصريحاته بخصوص الاستعمار الفرنسية لتحرش أنصار "الجزائر الفرنسية" من الأقدام السوداء  والحركى الذين حاولوا عرقلة بعض نشاطاته الانتخابية.

ولعل هذا الضغط الكبير هو الذي جعل إيمانويل ماكرون، يتراجع جزئيا، عن تصريحاته بخصوص جرائم الاستعمار الفرنسي بالجزائر، حيث قال خلال تجمع له بمدينة تولون (جنوب فرنسا) التي تعد معقل اليمين المتطرف وموطنا لكثير من الأقدام السوداء الموالين للجبهة الوطنية. إنها "جرائم ضد الإنسان وليس جرائم ضد الإنسانية"

 ومن اللافت للانتباه أن تصريحات إيمانويل ماكرون لم تحدث الصدى المناسب سياسيا وإعلاميا وشعبيا داخل الجزائر بل قوبلت بنوع من الاستخفاف والريبة من طرف بعض ممثلي الطبقة السياسية الجزائرية على غرار الأمين العام للتجمع الوطني الديموقراطي أحمد أويحيى، و مدير ديوان رئيس الجمهورية الذي اعتبر تصريحات ايمانويل ماكرون، بأنها جاءت “لمغازلة الجالية الجزائرية في فرنسا”."، بأن ماكرون قام بحملة انتخابية في الجزائر".

ربما لا يدرك أصحاب هذا الاتجاه أهمية النقلة التي تمثلها تصريحات إيمانويل ماكرون الذي يملك حظوظا معتبرة لاعتلاء سدة الرئاسة الفرنسية في الخمسة أعوام المقبلة، خصوصا أن الرؤساء الفرنسيين السابقين، كانوا لا يترددون في تمجيد التاريخ الفرنسي بما يحتويه من صفحات سوداء يندى لها جبين الأحرار وأصحاب الضمائر الإنسانية الحية.

 فهذا الرئيس الفرنسي السابق اليميني نيكولا ساركوزي طالب الفرنسيين أثناء حملته الانتخابية الأولى للرئاسيات في عام 2007م "بعدم الخجل من تاريخهم"، ولما حاول كسب أصوات الجالية الجزائرية في فرنسا في حملته الرئاسية الثانية في 2012م قال في حوار خص به صحيفة "نيس ماتان"،  بخصوص طلب الجزائر من فرنسا تقديم اعتذار عن جرائمها: "نعم، كانت هناك تجاوزات كبيرة من هذا الطرف أو ذاك، يتعين التنديد بها، لكن لا ينبغي لفرنسا أن تعتذر".

وأما الرئيس الفرنسي الحالي، الاشتراكي فرانسوا هولاند فقد دعا الفرنسيين في 8 ماي 2016م إلى الاقتناع بأن تاريخهم "جميل وعظيم" وقال خلال وضعه لباقة الورود على قبر الجنرال ديغول: "أريد من الفرنسيين أن يكونوا فخورين ببلادهم، وأن يقتنعوا بأن لهم تاريخا جميلا وعظيما". وبأننا بذلنا جهودا لنكون أكثر احتراما، ولنا كلمة مسموعة في العالم".

في حين قال فرانسوا فيون رئيس الحكومة الأسبق ومرشح اليمين في الانتخابات الرئاسية في نهاية أغسطس 2016م أثناء هذه الحملة، إن "فرنسا لم تكن مذنبة حين أرادت مشاركة ثقافتها مع شعوب إفريقيا".

واليوم، يبدو أن تصريحات المرشح الرئاسي إيمانويل ماكرون قد فتحت ثغرة في جدار التعنت والإنكار الذي سبق للمسؤولين الفرنسيين التحصن ورائه عند الحديث عن التاريخ الاستعماري الفرنسي، فعندما سئل بنوا هامون، مرشح الحزب الاشتراكي الحاكم، إن كان ينوي تقديم اعتذار عن الحقبة الاستعمارية في حال انتخابه رئيسا للجمهورية، أجاب :"سأرى إن كان بهذه الصيغة (اعتذار) يجب التعبير عن أسفنا لشعوب الجزائر، تونس والمغرب وكل الشعوب التي تعرضت للاستعمار، ولكن يبدو لي أنه يجب مواجهة تاريخنا".

وقبل أيام اعترف وزير الخارجية الفرنسي الأسبق برنارد كوشنر أن بلاده تكيل بمكيالين في التعامل مع ملف الذاكرة قائلا:"إن فرنسا سنت قانونا يجرم إبادة الأرمن” في حين تلتف وتتهرب في كل مرة يتعلق الأمر فيها بالجزائر"، واعتبر أن ذلك راجع إلى غياب الجرأة عند بلاده وحكوماتها المتعاقبة للاعتراف بكل ما اقترفته من جرائم أثناء الحقبة الاستعمارية “ولو فعلت فرنسا ذلك، فالأكيد أن هذا الأمر سيعمل على تحسين العلاقات بين البلدين، وسيحس أبناء الجيل الثالث والرابع من الفرنسيين من أصول جزائرية، بأن فرنسا تحترم بلد آبائهم وأجدادهم”.

إن إيمانويل ماكرون الذي ولد في سنة 1977م أي بعد 15 سنة من استقلال الجزائر يبحث على ما يبدو عن طريق جديد لبناء المستقبل المشترك مع الجزائر في إطار تضامن الشعوب وتصالح الذاكرة، فهو يقول :"أنا أنتمي إلى جيل لم يشهد حرب الجزائر (1954م-1962م) لكن لا يمكنه أن يعيش بدونها، إنها جزء منا" داعيا إلى "مزيد من تكثيف الشراكة بين فرنسا والجزائر

 لقد حظيت مواقف ماكرون بدعم تيار قوي في المجتمع الفرنسي، حيث أظهر استطلاع للرأي أن نصف الفرنسيين يتفقون مع آراء المرشح المستقل لانتخابات الرئاسة، وأيّد 51% من المشاركين في الاستطلاع رأي ماكرون، بخصوص استعمار الجزائر في الفترة من 1830م إلى 1962م، بحسب مركز إيفوب الفرنسي لدراسات الرأي العام. فيما أبدى 49 % معارضتهم لها.

 

 

 



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5159