وقفة مع مؤسسة مؤمنون بلا حدود- 02
التاريخ: 17-6-1438 هـ
الموضوع: تاريخ و حضارة


ظهرت هذه المؤسسة في الواقع الثقافي العربي وهي تحمل مشروعاً فكرياً متكاملاً تدعمه دولة غنية، لها دور كبير في مشاريع من هذا القبيل، وأقصد المشاريع المضادة التي تخدم الاستعمار وأتباعه من أنظمة الاستبداد والتبعية، واستطاعت في زمن قياسيّ، أن تصنع الفارق في الواقع الثقافي، لغياب مؤسسات ثقافية أصيلة، تخدم ثقافة الأمة ودينها، بعد الانتكاسة التي منيت بها مؤسسات كانت تؤدي دوراً ثقافياً وفكرياً كبيراً في الواقع الثقافي العربي الإسلامي، مثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ومشروع مجلة الأمة في قطر، والكتابات التي كانت تصدر عنها، والمشروع الرائد والهام المتمثل في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فما أصاب هذه المؤسسات من انتكاسة وفتور، فتح الباب واسعاً لبروز مؤسسات من قبيل مؤمنون بلا حدود، وقد تشهد الساحة الثقافية ظهور الكثير من هذه المؤسسات التي تخدم حركة العلمنة، والفكر المضاد لثقافة الأمة عموماً.



إنَّ الاطلاع على منتوج هذه المؤسسة، والتنوع الكثيف في المواضيع التي تصدرها سواء كانت كتبا مستقلة، أو محاضرات ومشاركات في ملتقيات وندوات أقامتها المؤسسة، تجعل النّاظر الحصيف لا يخطأ التقييم والتصنيف، لأنّ المشروع الجديد لا يختلف كثيراً عن المشروع القديم، فتقرأ عناوين من قبيل: "صدى المعتزلة في الفكر الإسلامي"،"بنية الخطاب المنقبي –طلاق العقل وأوهام التاريخ"، "الجواري والغلمان في الثقافة الإسلامية"، "دولة الإسلام السياسي –وهم الدولة الإسلامية"،"جدل التاريخ والمتخيل"،"في نقد العقل السلفي"،"عائشة في كتب الحديث والطبقات"... وغيرها من العناوين التي تبدو لأول وهلة أنها لا توحي بأي مدلول نقدي للفكر الإسلامي الأصيل، لكنها تصبُّ في نفس المصبّ الأيدلوجي المعهود والمعروف عند هذا التيار، الذي يمثل الامتداد الواضح لهذه المؤسسة الجديدة، وقد لفت انتباهي وأنا أطالع بعض الإصدارات كتاب عبارة عن موسوعة أصدرته المؤسسة في السنة الماضية، وأحاطته بهالة من الإشهار الإعلامي في المغرب، المقرّ الأساسي للمؤسسة، وفي تونس، حيث تحضى المؤسسة بدعم كبير من التيار العلماني ممثلاً في مجموعة من أساتذة الجامعات التونسية، ممن يتصدرون المشهد الثقافي التونسي منذ أكثر من أربعين سنة، يتقدمهم الدكتور عبد المجيد الشرفي وتلامذته، وقد صدرت هذا الكتاب/الموسوعة بإشراف الشرفي، وهو بعنوان: (المصحف وقراءاته)، وعند صدوره قام المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة) الذي يرأسه الشرفي بمواكبة إعلامية كبيرة، قامت بها الكاتبة التونسية العلمانية المعادية بوضوح للدين، الدكتورة نائلة السليني والتي قادت قبل سنتين حملة شعواء على وزير التربية التونسي الذي فتح أبواب المدارس التونسية للتعليم القرآني في العطلة الصيفية، وهي معروفة بشغبها الفكري في وسائل الإعلام التونسية، وخصامها الشديد للتيار الإسلامي في تونس، كما أنها تلميذة نجيبة لأستاذها الشرفي.

لقد اخترت الوقوف عند هذا الكتاب/الموسوعة، لأنه يتعلق بالقرآن الكريم، وهو المفصل الحقيقي، للمخاصمة الفكرية بين التيار الإسلامي الأصيل والتيار العلماني التغريبي، يقول الشرفي في مقدمة الكتاب: "يهدف كتاب (المصحف وقراءاته)، إلى وضع تصنيف في المصحف وقراءاته، جمعت مادتها، من المصادر العربيّة المعتمدة في مثل هذه المباحث بنصّ الآيات وصفة السور والقراءات؛ التي أثبتتها الأخبار ممّا عدّ مقبولاً، أو شاذّاً، أو غريباً.

لقد كان الاهتمام مصوّباً نحو القراءات القرآنيّة، وأخبار أسباب النزول، ومسألة النسخ، وكذلك التكرار، بالإضافة إلى إثبات جملة من تقسيمات المصاحف إلى أحزاب وأنصاف وأرباع وأثمان. والحرص على إيراد جملة من الملاحظات عندما يرى فيها ما يفيد في تبيّن تشكّل المصحف، أو ما يمسّ أحد العلوم القرآنيّة الّتي تطرّق إليها.

لقد خُصّص لكلّ سورة مقدّمة عامّة جمع فيها ما تعلّق بمختلف أسمائها إذا تعدّدت، والمكّي والمدني، وعدد آياتها، وترتيبها حسب النزول في المصادر القديمة، وفي عدد من الدراسات الحديثة.

وحُرص على إثبات كلّ آيات المصحف بخط عثمان طه، وبرواية حفص عن عاصم، وتحت كل آية وُضع الرسم الإملائي المتداول اليوم.

أما ترتيب المادّة المثبتة في الكتاب فكان ترتيباً تاريخيّاً وفق وفاة المصنّف الّذي أخذت عنه القراءة، أو سبب النزول، أو غيرهما.

وهذا الترتيب التاريخي نفسه يمكن أن يكون دالّاً على توجّهات المصنّفين القدامى واهتماماتهم، لا سيّما إذا تعلّق الأمر بالمفسّرين الّذين يتعرّضون لمختلف علوم القرآن، لكون كلّ مفسّر يركّز على علم أكثر من آخر، ما يسمح بتقييم المصادر الّتي اعتمد عليها في ضوء ما استخرج منها من معلومات.

إن الكتاب يعرض مادّة علميّة، تتدرّج بالباحث من مجال الخبر الخاصّ، بجانب من جوانب المصحف، إلى ضرورة التصدّي لمسائل مركّبة تتّصل أساساً بالنصّ القرآني أصلاً، وتاريخ تشكّل المصحف، بلوغاً إلى تقبّل المؤمنين لكتابهم المقدّس، والإخبار عن صفته ونظمه وقراءته عبر الأجيال. وبديهيّ أن تساعد مادّة الكتاب لا على تعقّب سائر النظريّات التي طفق المختصّون في الدّراسات القرآنيّة ينشئونها فحسب، بل على المساهمة في تجديد هذا المجال من الدراسات.

ميزة كتاب (المصحف وقراءاته) الجمع بين أهمّ العلوم القرآنيّة من قراءات وأسباب نزول ونسخ ومكّي ومدني وتكرار ضمن متن واحد جامع للاختلافات والروايات؛ ما يسمح بالمقارنة، ويوفّر مادّة للبحث جمعها غير متيسّر للباحث المفرد"..وللحديث بقية.



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5177