من مقدمات انهيار الدول وزوالها...
التاريخ: 17-6-1438 هـ
الموضوع: محطات


قد يظن الكثير من الناس، أن من الأسباب المباشرة والأكيدة لهلاك الدول وزوالها تلك الحروب التي تبادر بها أو تفرض عليها، لكن الواقع التاريخي قديما وحديثا، يكاد ينفي ذلك جملة وتفصيلا، بل قد تراه يقدم لنا ما يثبت أن الحروب قد تكون سببا لاكتساب الدول أسباب النهوض والتطور والازدهار، ففارس وروما في القديم بل والدولة الإسلامية في القديم كانت الحروب التي خاضتها من الأسباب المباشرة لنهضتها حضاريا، وكذلك هو الشأن بالنسبة للعصور الحديثة، حيث نجد أن معظم الدول الأوروبية الحالية أسهمت الحروب الاستعمارية التي خاضتها في بناء قوتها الاقتصادية والعلمية والصناعية، وها هي أمريكا تتخذ من الحروب التي تشعلها هنا وهناك وسيلة لتطوير صناعتها الحربية وأداة لتوجيه الجبهة الداخلية وإبقائها يقظة متحفزة، وها هي روسيا تتخذ من الحرب في أوكرانيا وسوريا أداة هامة لتأكيد دورها السياسي في العالم وتذكير أوروبا وأمريكا على أن زوال الاتحاد السوفييتي  لا يعني زوال الروس، باختصار ليس من المحتم أن تكون الحروب مدعاة للفناء والزوال، بل هي في كثير من الأحيان تكون سببا للنهوض والعودة إلى الحياة بقوة.



وإذن إذا كانت الحروب غير مسؤولة مسؤولية مباشرة عن انهيار الدول وزوالها من خريطة الوجود، فما هي أسباب ذلك؟

إن من أهم الأسباب والدواعي التي تقف في الغالب الأعم وراء سقوط الدول وزوالها وذهاب ريحها تتمثل في:

1ـ الفساد الإداري: من حيث أن الإدارة تتكفل بتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين كما تتولى الاشراف على المشاريع الاستثمارية في الزراعة والصناعة فإذا كانت هذه الإدارة تكبلها البيروقراطية، ويؤثر على أدائها انعدام الكفاءة، وغير قادرة على مقاومة الضغوط التي تقع عليها من الأطراف التي تريد أن تسخرها لتحقيق مآربه الشخصية فمن الطبيعي أن تتحول هذه الإدارة إلى عبء يثقل كاهل الدولة بدل أن تكون أداة مساعدة على فرض هيبة الدولة وسيادتها.

2ـ اختلال القضاء: كون القضاء من أهم الوسائل والأدوات التي تحمي الدول من تطرق الضعف إليها، لأنه هو الذي يمكن لترسيخ السلم والأمن الاجتماعي، حيث يمنع ويحول دون تظالم الناس فيما بينهم، ويقف بالمرصاد للتعسف واستغلال النفوذ، ويتصدى لمختلف أنواع الجرائم التي تهدد أمن وسلامة الفرد والمجتمع، بما يفرضه من عقوبات ردعية صارمة على مرتكبيها كيفما كانت مرتبتهم ومكانتهم الاجتماعية، فأما إذا اختل وتطرق الفساد إليه، انهار السلم الاجتماعي وغاب الأمن وحلت محله الفوضى والاضطراب، واحتاج الأفراد إلى اللجوء إلى وسائل أخرى، لحماية أنفسهم، والدفاع عن مصالحهم، بما في ذلك  الاستعانة بالأجنبي نفسه.

3ـ اختلال الجهاز الأمني: يلعب الجهاز الأمني دورا هاما في استقرار الدول ودوامها واستمرارها، ذلك لأنه يعول عليه في إمداد السلطة التنفيذية بالمعلومات التي تحتاج إليها لاتخاذ قرارها المتعلق بهذا الشأن أو ذاك، فإن عجز عن القيام بوظيفته هذه انجر عن ذلك إصدار قرارات خاطئة قد ينجر عنها حدوث عصيان مدني يفضي إلى سقوط الحكومة بل قد يؤدي إلى انهيار الدولة بالكامل، كما يعول عليه في التصدي للجريمة بأنواعها، ومقاومة الجوسسة والدعوات الهدامة التي تشكل خطرا على الأمن الاجتماعي والتصرف بحكمة في فض المظاهرات والاحتجاجات الاجتماعية التي تندلع هنا وهناك لأسباب مختلفة حتى لا يكون ما يصيب المحتجين من أذى سببا في انقلاب الشعب على الدولة وتمرده على إرادتها والتنكر لسيادتها، كما حدث في مصر وسوريا وليبا فيما يعرف بأحداث الربيع العربي.

4ـ اختلال التعليم بمختلف مستوياته: إن التعليم الذي دأب الناس على اعتباره قطاعا غير منتج مما جعل البعض من القيادات السياسية تزّور عنه و لا توليه ما هو جدير به من الاهتمام، في حين أنه الأرضية التي يبنى عليها صرح الدول وهو وسيلتها لامتلاك أسباب النهوض والتقدم، وأداتها الأهم لامتلاك العزة والمنعة، فالتعليم هو الذي يوفر الكفاءات في مختلف المجالات، والبحث العلمي هو الذي يعول عليه في تقديم الحلول لمشاكل الزراعة والصناعة وهو الذي يوفر لنا وسائل الدفاع عن أنفسنا مما يترصدنا من عدوان بسبب الأمراض الفتاكة، و الحروب الخارجية، والتعليم هو يضمن لنا انسجام المجتمع واتحاده، والتعليم هو الذي يلعب الدور الأهم في القضاء على أسباب الانحراف الديني  والأخلاقي والمجتمعي بفضل ما يسوّقه من قيم فاضلة ومثل عليا، فإذا اختل وتطرق إليه الفساد فإن ذلك يكون من مقدمات تضعضع أركان الدولة وقرب زوالها.

تلك هي أهم الأسباب التي تتسبب في ضعضعت الدولة وتسرع بانهيارها وزوالها، ولذلك ندعوا بإلحاح الجزائر إلى العناية بهذه القطاعات الأربع حتى لا يتطرق اليها الفساد فيترتب عنها زوالها، وقاها الله وحفظها من شر ذلك .        




08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5178