حقائق المنهج..أو الحب الذي يحمي من وحشة الطريق
التاريخ: 30-6-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


الخطاب الذي يركِّز أصحابه على مجرّد الأمر والنهي لتبليغ رسالة الإسلام خطاب يوحي بالقصور والجفاء، فضلا عن إيحاءات بالإكراه، يغذِّيها سيف الحدود الـمُشهر، يتقلّده نفر، يضمّون إلى الجهل حماسة، تُستثار -حين اللزوم- لاستعداءٍ تُصرع به الفكرة دون نزال !



فأما القصور فسبب الغفلة عن مقاصد هذا الدين وقيمه، والاستعاضة عن ذلك بخطاب: افعل ولا تفعل، وما يوحي به من إلزام، يدفع باتجاه إيمان ظاهري يفتقر إلى القناعة واليقين، وأما الجفاء فتشي به مسطرة "قوانين" قوامها الأمر والنهي، وحين يهدِّد القرآنُ بالإتيان بقوم يحبهم الله ويحبونه: فمعنى ذلك أنه يطلب إيمانا يحوطه الحب، ويصونه من عواصف التقلّب والتردّد{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...}[المائدة:54 ]

أخرج البخاري (8/14) ومسلم (4/2030)- واللفظ والزيادة المتعلقة له- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأَحِبَّه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض".

وأخرج الإمام أحمد في مسنده (36/603) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الِمقَة -هي المحبة- من الله، والصيت -هو الذكر الحسن- من السماء، فإذا أحب الله عبدا قال لجبريل: إني أحب فلانا، فينادي جبريل إن الله يحب فلانا فأحبّوه...فينزل له المحبة في الأرض..".

العبادة المرجوّة لهذا الدين هي أن تكون للعبد علاقة وثيقة بربه، تنعكس -إيجابا- على علاقة العبد بالأغيار الذين من حوله، وكلما صلى العبد لربه أو استقام: كلما أحسّ بأُنس يُدنيه من ربه، حتى يصل به إلى درجة من درجات الحب المشار إليه، وإذا منّ الله عليه بـحبه فتلك نعمة لا يستشعر بعض علائمها إلا من كان له مع ربه سيرة أو سلوك، فيها من رقّة القلب ودمع العين ما يجعل السالك يحلِّق في أجواء علوية، لا يمكن لِلاهٍ أن يتطلع إليها، فضلا أن يطمع في لذائذها.

المؤمن الذي يحظى بحب الناس وثنائهم يُرجى أن يكون ممن شملهم الله بحبه قبل ذلك، وأن يكون ممّن تداولت الملائك اسمه في السماء، ليوضع له القبول في الأرض، ويبدو أن الظفر بـحب الله عزيز وعسير المنال، ولئن ساغ للعبد -بعد طول عناء- أن يستشعر حبا وأنسا باتجاه ربه فإن الذي ينبغي أن يُسعى إليه حقا هو حبّ الله له، ورضاه عنه، قال ابن القيم رحمه الله في روضة المحبين (266): ".. وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله، ولكن الشأن أن يحبك الله، فالطاعة للمحبوب عنوان محبته.."{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[آل عمران:31].

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (10/468): "..والمراد بالقبول في حديث الباب قبولُ القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه، ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله، ويؤيده..: أنتم شهداء الله في الأرض، والمراد بمحبة الله إرادة الخير للعبد وحصول الثواب له..".

ولـمن يريد أن يتلمسّ الـمواقع أو الأعمال التي يُرجى أن تستجلب حب الله فعليه بالقرآن الكريم، فقد ورد فيه قوله تعالى في سورة آل عمران مثلا{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}[آل عمران:76] وورد فيه قوله تعالى في سورة آل عمران أيضا:{الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[آل عمران:134]. وورد قوله تعالى في ثلاثة مواضع من القرآن:{إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} وورد في صحيح البخاري (8/105) قول الله تعالى في الحديث القدسي: "... وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه..." وبمثل هذه المقارنات قد يقف المرء على إشارات تهديه إلى طريق التديّن الصحيح، القائم على الحقائق والـمقاصد، والـموصل إلى حب الله ورضوانه، وأما التدين القائم على الطقوس والرسوم، والذي يستسهل أصحابه السياحة في الشُّعب الدنيا فما أحسب أن يكون طريقا إلا لبغضاء تحلق الدين، وتُبقي الأمة لاهية في مضايق الضلال، لا هي حصّلت دنيا تصيبها، ولا رجت أخرى بعمل، يُزكيه فضل من الله ورحمة.



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5183