ما ذا وراء فساد السياسي وصلاحه...؟
التاريخ: 30-6-1438 هـ
الموضوع: محطات


إن للساسة الأثر الذي لا ينكره أحد فيما يتحقق للمجتمع من رُقي وازدهار، أو ما ينجر إليه من ضعف وتخلف فانهيار، ولذا حرصت الأمم في الماضي والحاضر على أن لا يترشح إلى المناصب السياسية المهمة، إلا خيرة أبنائها، وأن يكونوا من أفضلهم خلقا، وأكثرهم كفاءة، وأشدهم إخلاصا للمجتمع والنهوض بحاجاته، وأكثرهم تفانيا في خدمته.



 

وذلك لأن الساسة هم في المجتمع بمثابة الرأس من الجسد، فكما أن الرأس هو الذي يتولى ضبط حركة الأعضاء في الجسم ويسهر على أن تكون من الدقة بما يجعلها تحقق الهدف منها دون أن يتعرض العضو القائم بها إلى ما يرهقه أو يلحق به الضرر، فكذلك هو دورالسياسي في مجتمعه، فهو الذي يتكفل بالتنسيق بين جهد أفراد المجتمع بما يمكنهم من تحقيق أهداف المجتمع وغاياته في هذا المجال أو ذاك، بتناغم وانسجام، وبالطريقة التي تجعل تلك الجهود تتكامل وتلتقي في خدمة الهدف الذي سخرت لتحقيقه، دون أن يكلفهم ذلك من أمرهم عسرا.

ومن هنا يكون فساد السياسيين سببا مباشرا لفساد المجتمع، كما أن صلاحهم كان علة لصلاحه واستقامة أمره، وذلك لأنهم هم الذين يرسمون له أهدافه، ويحددون له غاياته، وهم الذين يتولون توفير الوسائل والإمكانيات المطلوبة، وحشد الجهود المندوبة ويحرصون على حسن توظيفها لتمكين المجتمع من بلوغ ما يصبو إليه في أقصر وقت، وأوجز مدة.

وفساد السياسي يتمظهر بقول الرشاء، ومحاباة الأقارب، وغلبة النعرة الجهوية عليه، وتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، والترفع عن الشعب والتنكر لما له من حقوق عليه، واتهامه بالجهل وعدم الفهم، وقصوره عن حسن تقدير مصلحته.

وصلاح السياسي يكون بتجنب كلّ ذلك فعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يقول:" رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي" وهوالذي لم ينفجر في وجه المرأة التي انتقدت رأيه في تحديد المهور وذكرته بقوله تعالى:{ وإذا آتيتم إحداهن قنطارا فلا تـاْخذوا منه شيئا } وإنما قبل رأيها ورجع عن رأيه وقال : أصابت امرأة وأخطأ عمر"، وهو الذي قبل معارضته ولم يعتبرها تمردا حينما قال له رجل:" اتق الله" فنهره أحدُ أتباعه قائلا: أتـقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ فزجره عمر وقال: دعه فلا خير فيه إن لم يقلها ولا خير فينا إن لم نسمعها" وهو الذي كان حريصا على أن يكون أهله وعشيرته أشد الرعية احتراما للقوانين التي يصدرها، فقد أثر عنه رضي الله عنه أنه كان إذا أصدر أمرا جمع أهله وعشيرته وخطبهم فقال: "لقد أمرت بكذا وكذا فلا أعلمن أحدكم يخالف عن أمري وإن فعل لأضاعفنّ له العقوبة" وهو الذي جلد ولده في شبهة السُّكر، وهو الذي صادر بعضا من مال ولده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

وهو الذي في عام الرمادة منع نفسه من أكل ما لا تستطيع أن تصل إليه يد المسلمين من المطاعم، وكل ذلك يعبر عن الإحساس بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه كسياسي وكحاكم لأمته.

وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله اشتهى تفاحا شاميا، فقدم له طبق منه وقيل له لمَّا امتنع عن أكل ما لم يشتره بماله:" هو هدية لك، فقال:" هو لغيرنا  هدية ولنا رشوة".

فعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز تمكنا بفضل هذا المستوى العالي من الخلق، والقدر الكبير من الالتزام والتجرد، والقسط العظيم من الإخلاص في خدمة الأمة، من أن يجعل من عهديهما أوفر عهود الدولة الإسلامية خيرا، وأكثرها استقرار وازدهارا.

ويصدق ذلك ما وقع ويقع لنا في الجزائر، فقد مرت علينا عهود كانت فيه خزائتنا العمومية خاوية، ولكن القلوب كانت مليئة بحب الوطن، مترعة بالإخلاص له فتمكنت الدولة من بناء جيش قوي، وإنشاء صناعة ذات أهمية

ومرت عليها عهود امتلأت خزينتها العمومية حتى باتت تتنازل عن ديونها للغير وتقرض سواها بملايير الدولارات، لكنها لما لحق بعض سياسييها من فساد، انتكست حالها، وحل ليلها، وارتحل نهارها، وباتت اليوم تفكر في الاستدانة، وما كان ذلك ليحدث لو لم ينحرف سياسيوها ويتورطوا فيما لم يكن جائزا لهم أن يتورطوا فيه أصلا، وبات فساد السياسي في الجزائر أمرا طبيعيا ومقبولا، حتى أعطى بعضهم الحق لنفسه في الدفاع عن فساده هو أو أقاربه، عوض أن يستحي ويخجل من ذلك ويبادر بالتنحي عن منصبه على سبيل الاعتذار إلى الشعب، ولكن يبدو أن على قلوب أقفالها ، فنسأل الله أن يقيض لهذا الوطن وشعبه من يقتدي بالعمرين في علو الهمة والإخلاص للأمة... 

 



08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5187