ما تزال الأغواط على العهد
التاريخ: 30-6-1438 هـ
الموضوع: كلمة حق


إن رحلتنا هذه الأيام إلى مدينة الأغواط ذكرتنا بما كانت تزخر به من رواد الإصلاح والنهضة في وقت مبكر من القرن الماضي، وبما كان لها من جهاد العدو ومدافعته.



إنها مدينة استمتعنا بجمالها وموقعها بين الشمال والصحراء، وهوائها، وواديها الكبير، وادي امزى يزورها من الجنوب الشرقي لجبال عمور شمالا، وهي مدينة بنتها قبيلة الأغواط الزّناتية فسميت باسمها ذكرها ابن خلدون قال: "وأما الأغواط فهم فخذ من مغراوة، وهم في نواحي الصحراء ما بين الزاب وجبل راشد، ولهم هنالك قصر مشهور ولهم (...) وهم مشهورون بالنجدة"(العبر، ج7، ص48 طبعة بولاق) اشتهروا بالشجاعة، والإباء، والجد والذكاء، والنشاط، وحبهم للجمال ومظاهره، وحب الفلاحة، ذوو أخلاق، وحضارة، لهم اعتصام بالدين، يدافعون عنه، وعن قيمه، يشيدون المساجد الجميلة، ويعمرونها بقراءة القرآن وحفظه، يكرمون الضيف فيأنس بهم، وينشرح صدره، ولا يشعر بغربة ولا وحشة.

ولما زحفت جيوش الاحتلال الفرنسي قاوموه مقاومة شديدة دفاعا عن كرامتهم وذلك في سنة 1853، فاستشهد منهم عدد كبير، ولكن أهل الأغواط لم تستسلم لعدو، فازدادوا اعتصاما بدينهم، وتمسكا بلغتهم، وكرامتهم.

بدأت النهضة في الأغواط بأبنائها أمثال آل دهينة كالحسين بن الحاج عيسى ادهينة وأخيه وكذلك دحمان بن الساسي والحسين بن هدروك ميموني ثم الشيخ عمر بن قدور الذي حل بها وهو صاحب جريدة الفاروق التي أصدرها بالعاصمة فنفي من العاصمة إلى الأغواط لسبب عمله في هذه الجريدة من أجل النهضة فنفي سنة 1916. فأكرم آل دهينة نزله، ورحبوا به، ومنهم الشيخ ومنهم محمد العاصمي الذي سكن بالأغواط وتزوج بها وعلم الشباب العربية في منزله، وأنشأ الحسين بن هدروك ميموني جمعية خيرية سنة 1920 مع الحسين بن الحاج عيسى أدهينة ومحمد بن عبد الله المصلح وأحمدي محمد خليلي والسيد أحمد ابن الجيلاني ودحمان الساسي وغيرهم.

وكان الذي تسبب في إنشاء مدرسة الأغواط الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي سنة 1922، وأول معلم بها الشيخ محمد سعيد الزاهري ونجح فيها نجاحا كبيرا.

ثم خلفه الشيخ مبارك الميلي سنة 1923 وكان له أثر كبير في نهضة الأغواط وفيها ألف كتابه تاريخ الجزائر القديم والحديث، وانتقل إلى التعليم في مدرسة عصرية مجهزة أحسن تجهيز سنة 1926 ولم يقتصر عمله على التعليم، فقد كان يلقي الدروس ويعظ الناس فأحدث نهضة في الأغواط مشهودة، وكان ينتقل إلى بوسعادة وإلى الجلفة ولكن الاستعمار وأعوانه تآمروا عليه فدبروا له مكايد فرحل عنها سنة 1931 وأغلقت المدينة، وأسف لذلك وأسف أهل الأغواط المصلحون، ولا ننسى الشيخ أحمد بن التهامي شطة الشهيد الذي لا يعرف له قبرا، وأبا بكر بن بلقاسم وأحمد بن بوزيد قصيبة ومحمد الطيب الحفصي الذين جاهدوا في سبيل النهضة، وكان بعضهم من أجل أعضاء جمعية العلماء، فبنوا المدينة من جديد وتم بناؤها سنة 1947 وأقيم احتفال عظيم يوم افتتاحها بحضور الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ إبراهيم بيوض، وسميت بعد ذلك "مدرسة أحمد شطة" رحمه الله.

وقد زرنا الأغواط فاستقبلنا أحسن استقبال، وقمنا بدروس في المساجد يوم الجمعة، فنشكر شعبة جمعية العلماء في الأغواط وواليها ومدير الشؤون الدينية الذين يسروا لنا كل ما من شأنه أن يخدم الأغواط، كما نشكر أعيانها وأساتذتها ومثقفيها على حضورهم واهتمامهم.

نرجو لهم كل توفيق فيما ينهض بوطننا ويجعله في صدارة الأمم المتقدمة الناهضة.

ندعو شباب الأغواط أن يأخذ مشعل الرسالة، رسالة الإصلاح والنهضة التي تركها لنا رواد هذه النهضة ابن باديس وشيوخ الجمعية، وأن يجتهدوا في العلم والبحث للنهوض بالجزائر.

 



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5190