الجنرال ديغول والحنين إلى "الجزائر الفرنسية " (1 )
التاريخ: 6-7-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


أثار تصريح حاكم الشارقة، وعضو المجلس الأعلى لدولة الإمارات العربية المتحدة، الدكتور سلطان بن محمد القاسمي يوم الأحد 19 مارس 2017 على هامش الدورة الـ 46 لمعرض لندن الدولي للكتاب، أمام مجموعة من الصحافيين ورؤساء تحرير الصحف ووسائل الإعلام والمتضمن بأن الرئيس الفرنسي شارل ديغول "منح الاستقلال للجزائر إرضاء للزعيم المصري جمال عبد الناصر"، الكثير من الاستياء والاستغراب والتساؤل، ولكن حاكم الشارقة امتلك بعد ثلاثة أيام من تصريحه قدرا من الشجاعة الفكرية والروح القومية جعله يقدم اعتذاره للجزائريين، إذ  نقلت وكالة الأنباء الإماراتية يوم الأربعاء 22 مارس عن سمو الأمير القاسمي قوله: "...إذا كان إخوتنا في الجزائر اعتبروا ذلك إجحافا بحقهم فأنا اعتذر عن ذلك ولهم كل الود والاحترام". 



حقا، لقد صدم الجزائريون واعتبروا التصريحات المنسوبة لحاكم الشارقة إجحافا في حقهم وتجنيا على تاريخ الثورة الجزائرية وعظمة تضحيات شعبها لافتكاك الاستقلال الوطني.

خصوصا أن التصريح جاء تزامنا مع إحياء الجزائر للذكرى الخامسة والخمسين لعيد النصر، الذي افتكه الجزائريون بعد سبع سنوات ونصف السنة من حرب ضروس، تخللتها قرابة سنتان (جوان 1960ـ مارس 1962) من المفاوضات الشاقة.

زعم حاكم الشارقة حسب المداخلة المنشورة على موقعه: " ... سأل ديغول وزير ثقافته كيف استطيع أن أكسب ود العرب الذين تُمَجِد فيهم؟ فأجابه: بأن ترضي الزعيم العربي جمال عبد الناصر، رحمة الله عليه، فإذا كسبت الزعيم العربي جمال عبد الناصر فإنك ستكسب العالم العربي بأكمله. فسأله ديغول: كيف يمكنني أن أكسب الزعيم العربي جمال عبد الناصر؟ فأجابه: عليك أن تعطي الجزائر استقلالها.

فقال ديغول قاصداً الجزائر: " الآن عرفت أن سكان الجزائر عرب".

الواضح أن هذا النص يبدو أقرب إلى الحكايات الرومانسية منه إلى نص تاريخي يوثق تصريحات الزعيم الفرنسي شارل ديغول الذي لا يمكن في كل الحالات اتهامه بهذا القدر من الغباء، حيث ظل يجهل طوال عقود، أن سكان الجزائر عرب حتى  نبهه   لذلك وزير الثقافة في حكومته الكاتب والمثقف الإنساني أندريه مالرو، كما ظل الجنرال شارل ديغول ـ حسب اعتقاد حاكم الشارقةـ يدفع كل ذلك القدر الهائل من أرواح  الفرنسيين والجزائريين، وينفق كل تلك الأموال الطائلة طوال سنوات لتغطية تكاليف الحرب للحفاظ على الجزائر في إطار السيادة الفرنسية، ثم قرر فجأة بعد محادثة مع أندريه مالرو التخلي عن الجزائر من أجل كسب رضى الزعيم المصري جمال عبد الناصر!

لقد كان للجنرال شارل ديغول من النباهة السياسية ما جعله يدرك أن احتلال الجزائر ليس نزهة عسكرية، وأن جيشه يخوض حربا جائرة وخاسرة، لقد أدت الثورة الجزائرية (حرب الجزائر) إلى سقوط ست حكومات وجمهورية بفرنسا:

ـ حكومة بيير مانداس فرانس (نوفمبر 1954 -05 فيفري 1955).

ـ- حكومة ادغار فور (فيفري 1955 - جانفي 1956).

-ـ حكومة غي موللي (جانفي 1956 - 21 أفريل 1957).

ـ- حكومة بورجيس مونوري (مارس 1957 - 30 سبتمبر 1957).

-ـ حكومة فيليكس غايار ( نوفمبر 1957- أفريل 1958).

- ـ حكومة بيير فليملان (أفريل - ماي 1958).

سقوط الجمهورية الرابعة (28 ديسمبر 1958).

كانت حرب الجزائر تكلف فرنسا أكثر من 1000مليار فرنك كل سنة، وعندما سقطت حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة، استدعي الجنرال شارل ديغول في سنة 1958(بعد أربع سنوات من الحرب) لإنقاذ فرنسا من السقوط في هاوية الحرب الأهلية، وجاء الجنرال ديغول بهدف القضاء على الثورة الجزائرية مع منح الثوار إمكانية وقف إطلاق النار بصفة مشرفة، وكان نداء سلم الشجعان الذي بادر به الجنرال ديغول في أكتوبر 1958 لتوفير انطلاقة جديدة لمشروع الجزائر الفرنسية، مع إجراء بعض الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (الإعلان عن مشروع قسنطينة) لإضعاف جبهة التحرير سياسيا وعزل الجماهير الشعبية عن طليعتها الثورية.

وبعد انتخاب  الجنرال شارل ديغول رئيسا للجمهورية الخامسة، عين الجنرال موريس شارل قائدا للعمليات العسكرية، وهو الذي وضع مخططا عسكريا بالاعتماد على ستمائة ألف جندي من المظليين والمشاة والفرق المتخصصة في حرب العصابات إضافة إلى الطائرات الحربية ومختلف المصفحات وصرح الجنرال شال قائلا: " مهمتنا أيها السادة هي تحويل حياة الفلاقة إلى جحيم ".

و تصاعدت العمليات الفرنسية الكبرى، من عملية "التاج" فيفري 1959 بالولاية الخامسة ومنطقة وهران حتى الحدود المغربية، وجزء من الولاية الرابعة منطقة القبائل الصغرى وجبال الشريعة إلى التيارات، ثم عملية "الحزام" 1959 واستهدفت الولاية الرابعة وجزء من السادسة منطقة الجنوب الصحراوي، تلتها عملية "المنظار" جويليه 1959 مستهدفة الولاية الثالثة، بلاد القبائل الكبرى وجزء من الرابعة وجزء من الثانية شمال قسنطينة والأولى جبال الأوراس ومنطقة الوادي، وشهد شهر سبتمبر من العام نفسه عملية "الأحجار الكريمة " سبتمبر 1959 ضد الولاية الثانية والقاعدة الشرقية وجزء من الولاية الأولى، ثم عملية "الشرارة" 1959 والتي غطت أجزاء من الولايات السادسة والرابعة والثالثة والأولى، تلتها في أكتوبر عملية "الضباب" ضد الولاية الثالثة وجزء من الرابعة والثانية والأولى، ثم عملية "اللهب" بالولاية الأولى والسادسة، وقد جاءت العمليات العسكرية الفرنسية والتي أوردنا أهمها لكي تدعم أيضا الفاعلية العسكرية للسد الشائك المكهرب والملغم المعروف باسم خطي شارل وموريس اللذين أقيما للهدف نفسه، وهو القضاء على فرق جيش التحرير الوطني ومنع التواصل فيما بينهم ووقف وصول الإمدادات والمعدات إليها.

يتبع



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5197