تضحياتنا وعقلية الدشرة!!
التاريخ: 6-7-1438 هـ
الموضوع:


في نهاية الأسبوع الماضي ودعنا شهر مارس، وهو شهر مثل سائر الشهور وأيامه مثل سائر الأيام، ولكن ما تميز به هذا الشهر في مغربنا العربي الكبير هو انه يذكرنا بمعان سامية وقيم عالية افتقدت الأمة اليوم الشعور بها، في المغرب والمشرق معا؛ بل وبداخل الوطن الواحد من هذه الوطان الإسلامية الواسعة.



فعندما قرر مجاهدو الجزائر إشعال فتيل ثورتها المباركة، أرادوها ثورة وحدوية تؤمن بوحدة المغرب العربي الكبير، ووحدة مصير الشمال الإفريقي، وكذلك كانت نية المغاربيين جميعا، فشرع في التنسيق بين الفئات النضالية للبلدان الثلاث.

وهي المعاني التي بنيت عليها أسس النضال المغاربي، في الحراك التونسي على يد عبد العزيز الثعالبي وإخوانه من الجزائريين، وبتأسيس نجم شمال إفريقيا الذي كانت بداياته جامعة لأبناء هذه الرقعة، وبنشأة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ذات الصلة الوثيقة بالزيتونة والعلاقة المتينة بمحمد الخامس، ومكتب المغرب العربي بالقاهرة، بزعامة بطل الريف عبد الكريم الخطابي رحمه الله، ورغم أن مبادرة الجهاد المغاربي الموحد لم تنجح، فإن النَّفَس الموحد ظل قائما، وقد ظهر في مؤتمر اتحاد المغرب العربي بين الأحزاب المغاربية –حزب الاستقلال، وجبهة التحرير الوطني، والحزب الدستوري، المنعقد في مدينة طنجة بالمغرب الأقصى.

ورغم خيبة الظن في الإبقاء على تلك الرفعة وذلك الاستعلاء التحرري، لقيادة البلدين الشقيقين تونس والمغرب، بسبب عقلية الدشرة التي هيمنت على سياسيي تلك المرحلة، وخضوعا للكيد الإستعماري الذي وعدها بالاستقلال، لتبقى له الجزائر لقمة سائغة، فإن منطق التاريخ بقي مستقلا بقراره وحاسما في موقفه، فتحررت هذه البلاد وعادت لها سياداتها على نفسها، في هذا الشهر الذي هو شهر مارس، ورغم الفروق الكبيرة في الثمن الذي دفعته كل بلاد في سبيل استرجاع هذه السيادات، فإن القدر شاء إبراز هذه الوحدة المصيرية في رموز كادت تنمحي من الذاكرة، وهي النصر للجزائر في 19 مارس 1962، وفي 2 مارس 1956 اعترفت فرنسا باستقلال المغرب، كما نالت تونس استقلالها في 20 مارس 1956، وكما قال أحدهم "وكأن كل شيء يدعونا للتوحد والتكتل ونبذ الخلافات"، ولكن عقلية الدشرة تطارده.

وهذا النَّفَس الوحدوي الذي نبذه -بكل أسف- سياسيو هذه القطعة المباركة من جسم الأمة، بدت هذه الرمزية التاريخية وكأنها تقرر رفض منطق التاريخ لسلوك المتخاذلين من أبناء الأمة، أو على الأقل بعض أبناء هذه المنطقة من جسم الأمة الكبير.

ولشهر مارس في الثورة الجزائرية قصة أخرى عميقة في ذاكرة الأمة الجزائرية وقيمها الجهادية والاستشهادية السامية، بحيث أطلق بعضهم على هذا الشهر اسم شهر الشهداء، حيث استشهد فيه خمسة من قيادات الثورة البارزين، وهم "مصطفى بن بولعيد قائد الولاية التاريخية الأولى في 23 مارس 1956 وفي 5 مارس 1957 إستشهد البطل العربي ابن مهيدي، وفي 29 مارس سقط البطلين سي الحواس والعقيد عميروش بجبل ثامر ببوسعادة ، وفي 27 مارس 1960 سقط قائد الولاية الخامسة  العقيد لطفي، رحمهم الله جميعا.

لم تقف عقلية الدشرة عند تخلي زعماء تونس والمغرب عن المبدأ الوحدوي الذي اتفقوا عليه جميعا، وإنما امتد إلى الداخل الوطني، فضمر التوجه التحرري وضاق الأفق وتشتت رقعة المغرب العربي الكبير إلى فتات سياسي ثقافي أيديولوجي، بحيث أصبح يصعب على المرء الكلام عن وحدة وطنية فضلا عن وحدة مغاربية.

ولا أتكلم هنا عن تونس والمغرب، وإنما أعود إلى بلادنا الجزائر التي تسللت إليها  عقلية الدشرة ابتداء من نزاعات الصائفة المشؤومة، وانتحاء بالتناحر الذي شهدته البلاد خلال العشرية الحمراء 88/98.

لا شك أن كل ما وقع من خلافات ونزاعات وتجاوزات بين الجزائريين ابتداء من 19 مارس 1962، لأصحابه مبررات تبدو أنها موضوعية، ولكن الحقيقة الثابتة في مسار البلاد السياسي والثقافي بعد ذلك يثبت أن كل تلك المبررات كانت عبارة عن أعراض ونتائج ومشكلات تعبر طبيعية عقلية الدشرة التي تضيق بالآخر مهما كان يملك هذا الآخر من مكانة وحق وشرعية؛ لأن الخلافات والنزاعات والتجاوزات التي كانت، قد استمرت ولكن بأغطية متنوعة، أحيانا في شكل صراع بين الثوريين والإصلاحيين، وأخرى بين العسكريين والسياسيين، وثالثة بين الإسلاميين والعلمانيين، وداهية الدواهي بين أرباب جهات الوطن أي الجهوية، فكل من يتقلد منصبا أو موقعا قياديا في المجتمع أو المؤسسات الرسمية، إلا وينتفخ أناه ليصبح المعبود من دون الله، والمنتصر بما يحيط به من الكائنات المستنسخة منه أو المستنسخ منها.

وعقلية الدشرة هذه في النهاية هي المنهج والمرجع، وهي ليست بالضرورة عروشية فقط كما هو العرف العام، وإنما هي عقلية عصبية قد تأخذ رداء الفكرة والحزب والجمعية والتيار، ولكن جذرها الأصل هو "خليليون وإن ضل خليل ضللنا"، ويحضرني هنا كلمة للأخ الدكتور سليم بن خدة قالها لزميل له كان من عناصر التكفير والهجرة، وهي قوله "أخاف عليك يا فلان... أن ترى نفسك في المرآة فتكفرها"، بسبب المبالغة في في قدح الآخرين لأتفه الأسباب التي كان يسير عليها ذلك الرجل، ذلك أن مقياس عقلية الدشرة ضيق الأفق إلى أدنى حدوده، بل إن نتائجه في نهاياتها دائما عكسية بسبب ضيقها، ولذا من أراد أن يعيش القيم الإنسانية الرفيعة، ويمارس الوطنية بصدق، ويستثمر في الإسلام بأفقه الإنساني، فما عليه إلا أن يتخلى عن عقلية الدشرة، وإلا فإن التاريخ مسح الأرذلون من الأقوام في جميع الحضارات والثقافات.

قد يعتذر البعض لأصحاب النوايا الطيبة الذين يسيئون بسلوكاتهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والنوايا لها مكانتها في القيم الشرعية والإنسانية، ولكن هذا النهج الذي نتكلم عنه نهج مسيء لا علاقة له بصدق النوايا وحب الخير، وإنما واحد من موانع صحة النية والدعوة إلى الخير وتحقيقه؛ لأن العلاقات الإنسانية والإصلاح والدعوة إلى الخير، كل ذلك يقتضي احترام سنن الله في الخلق وقوانينه في الوجود، بالتخلي عن عقلية الدشرة لصالح قضايا الأمة الكبرى وذلك بمراعاة المصير المشترك الذي كانت عليه الحركة الوطنية قبل تلوثها بمفاسد موروثاتنا الجاهلية القاصرة.   



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5198