الجنرال ديغول والحنين إلى "الجزائر الفرنسية " (2)
التاريخ: 15-7-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


في مارس 1960 أدلى الجنرال ديغول بتصريح أمام الجيش الفرنسي قال فيه: " لابد من الخروج بالنصر من المواجهة المسلحة، وحتى إن وضع المتمردون السلاح، فإنه على جنودنا حمله، وبما أنني أعلم أنهم لا يضعوه، لذلك عليكم أن تذهبوا لافتكاكه منهم".



صحيح أن الجنرال ديغول عندما عاد إلى الحكم في سنة 1958 بدأ يبتعد عن أطروحات غلاة المعمرين وقادة "فرنسيو الجزائر" المتوغلة في الأنانية والتعصب والعمى السياسي، فقد كان ديغول قائدا سياسيا وعسكريا استراتيجيا قوي الشخصية وواسع الأفق، ولكنه كان يفكر في الأساس في إنقاذ فرنسا من الانقسام والدخول في الحرب الأهلية بسبب حرب الجزائر، ولم يكن يفكر في إنقاذ الجزائر من الاستعمار، مثلما رفع لواء إنقاذ فرنسا من الغزو النازي في 18 جوان 1940 

ويسجل التاريخ أن الجنرال ديغول الذي استطاع بمساعدة الحلفاء تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، رد على الجزائريين المتطلعين إلى تحرير وطنهم من الاحتلال الفرنسي في ماي1945  بقمع وصل إلى حد الجريمة ضد الإنسانية، كما أن الحرب على الجزائريين تحت حكمه، في الفترة ما بين أعوام 1959، 1961 و1962، كانت فظيعة جدا تميزت باستخدام النابالم وتنفيذ خطة شال وترحيل المواطنين وتدمير القرى، فكانت تذكر بالعودة إلى أساليب مجرمي الحرب التي استخدمها جنرالات الغزو الفرنسي من أمثال بيجو، دو روفيغو، وسانت أرنو، وبيليسي.

ولذلك يقول المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا إنه رغم نطق ديغول لجملة ''حق الجزائريين في تقرير مصيرهم'' في خطابه في 16سبتمبر 1959 إلا أنه لم يكن يفكر أبدا في استقلال الجزائر، بل كان يريد ربطها بفرنسا من خلال نظام فيدرالي أو كومنولث، معتمدا في ذلك على أسس مختلفة مثل تشكيل إدارة تتكون من إطارات تكون وسيطا بين فرنسا والجزائر، كما أنه كان يعتقد أن الأوروبيين لن يغادروا الجزائر في كل الأحوال وهو عكس ما حدث في الواقع، حيث تخلى المستعمرون عن خياراتهم متوجهين إلى بلدهم الأم ''فرنسا".

ويضيف ستورا أن تسارع الأحداث كتصاعد وتيرة الحرب وإنشاء المنظمة المسلحة السرية، وكذا محاولة الانقلاب العسكري على ديغول، بالإضافة إلى محاولات اغتياله، وبالأخص أيضا عزيمة الجزائريين الكبيرة في الاستقلال، دفعت ديغول إلى العودة إلى الديار أي إلى استقلال الجزائر، مستطردا أن هذا الأخير رغم أنه كان يدرك بأن قراره في حسم القضية الجزائرية لن يرضي العسكريين المتمسكين جدا بخيار ''الجزائر الفرنسية'' ولا حتى السياسيين من أعضاء حكومته وعلى رأسهم رئيس الحكومة ميشال دوبري والوزير المكلف بشؤون الصحراء وأحد أبرز قائدي المنظمة العسكرية السرية، جاك سوستال، إلا أنه لم يتصور أن هذه المعارضة تصل إلى هذا الحد من العنف.

وعاد ستورا إلى الأسباب التي أدت بديغول إلى محاولة إيجاد حل للقضية الجزائرية، فقال إنها أسباب متعددة، وهي محاولة إرجاع فرنسا إلى الساحة الدبلوماسية الأوروبية والعالمية وهذا بعد العزلة التي عاشتها في عالم تحكمه قوتان وهما الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، ضغط هذه الأخيرة التي تغيرت سياستها نحو مناصرة الحركات التحررية على فرنسا وكمثال على ذلك زيارة الرئيس الأمريكي ايزنهاور لفرنسا ثلاثة أيام قبل خطاب ديغول في 1959 وكذا ضغوطات دول العالم الثالث، التكاليف الضخمة للحرب (600 مائة ألف عسكري فرنسي بالجزائر)، القوة العسكرية الجزائرية وتأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة وإنشاء جيش الحدود ومساندة الجزائريين المقيمين بفرنسا للثورة. وفي هذا السياق، أكد ستورا أن ديغول وأمام كل هذه العوامل، صمم على إيجاد حل للقضية الجزائرية، أبعد من ذلك فقد كان يخشى حدوث حرب فرنسية فرنسية، بالمقابل لم يكن يريد أن يكون للجزائريين نفس الحقوق مع الفرنسيين باعتقاده أن فرنسا دولة مسيحية لا يمكن لها أن تضم بين أطيافها ساسة مسلمين.

 والمؤسف  أن الخرجة المهينة للثورة الجزائرية من طرف حاكم الشارقة، لم تكن هي الأولى من نوعها التي صدرت من دولة الإمارات العربية المتحدة، فقبل أكثر من  تسع سنوات، وبالتحديد في نوفمبر من سنة 2008، احتضنت الإمارات ملتقى دوليا أشرفت عليه جامعة "السوربون" بأبو ظبي، وجاء تحت عنوان "شارل ديغول والعالم العربي".. وخصص الملتقى لتمجيد شخصية الجنرال ديغول مما دفع بالوفد الجزائري الذي يتقدّمه وزير الخارجية الأسبق محمد بجاوي وعدد من الدكاترة الجزائريين المقيمين بالإمارات العربية المتحدة، إلى مغادرة القاعة التي احتضنت الملتقى، بحجة أن "المحاضرين في الملتقى زيّفوا الحقائق التاريخية وطعنوا تاريخ ثورة الجزائر عندما قدموا الجنرال ديغول على أنه "أب حركة التحرر" و"مانح الاستقلال".

ومع ذلك استنكر العديد من المؤرخين والشخصيات الوطنية سلبية رد فعل الوفد الجزائري الذي اكتفى بمغادرة القاعة، وقال المؤرخ الجزائري محمد القورصو إنه "كان عليهم ( الوفد الجزائري ) أن يحتجوا بصوت علني وأن يطالبوا بتعليق الملتقى"، معتبرا الملتقى الذي حاول تلميع صورة الجنرال طعنا في الثورة التحريرية.

لقد صدق السيد فرحات عباس، رئيس أول حكومة مؤقتة للثورة الجزائرية، رغم ما عرف عنه من اعتدال وانفتاح في مساره السياسي، عندما قال: " في السياسة من الخطأ أن نعول على حكمة العدو".

قد يكون من المعقول القول بأن الجنرال ديغول قد أوقف الحرب في الجزائر، لكن من التجني الادعاء بأن الجنرال ديغول قد منح الاستقلال للجزائر.

 لقد كان من الواضح أن الجنرال ديغول ظل يحن للجزائر الفرنسية ذلك الحنين الذي بقي يلازمه حتى خلال كتابة مذكراته التي قال فيها: "الجزائر ستبقى في أوصالها فرنسية، كما أصبحت فرنسا الغولية رومانية''..



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5208