مختصر تفسير ابن عاشور (سورة التوبة)
التاريخ: 23-7-1438 هـ
الموضوع: خواطر


44-{لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}: إن شأن المؤمنين الذين استنفروا أن لا يستأذنوا النبي، صلى الله عليه وسلم، في التخلف عن الجهاد. والاستئذان طلب الإذن، فهم يجاهدون دون استئذان للتخلف، فالله مطلع على قلوب المؤمنين وتقواهم.



45- {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}: شأن الذين لا يؤمنون أن يستأذنوا للتخلف والقعود لما ملئت به قلوبهم من الريب والشكوك، فأظهروا الإيمان وأخفوا الكفر، لتمكن الريب منهم، والتردد، حال المتحير بين الفعل وعدمه، كما يقال يقدم رجلا ويؤخر أخرى.

46-{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}: إنهم لم يعزموا على الخروج ولم يريدوه إذ لو أنهم عزموا عليه لأعدوا له عدته، وهيأوا له وسائله، فقد زعموا أنهم تهيأوا للغزو، ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود، لأن عدم إعدادهم العدة للجهاد دل على عدم إرادتهم الخروج من أول الأمر، فالله كره انبعاثهم وعدم إرادتهم الخروج كان حرمانا لهم، وعناية بالمسلمين، والانبعاث الإرسال، والتثبيط إزالة العزم، فالله خلق في أنفسهم ضعف العزيمة على الغزو، والقعود معناه ترك الغزو "وَقِيلَ اقْعُدُواْ" كون فيهم القعود تكوينا مع القاعدين كالصبيان والنساء والعمي والمرضى، وهذا مذمة لهم.

47-{لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}: هذا بيان للحكمة من كراهية الله انبعاث هؤلاء المنافقين، وتثبيطهم، وقعودهم لأن الله أراد سلامة المسلمين من أضرار وجودهم بينهم، إذ أنهم يضمرون المكر، إذا خرجوا مرغمين، بدون اعتقاد أنهم على حق، وعدي فعل "خَرَجُواْ" بحرف في شائع استعماله في الخروج مع الجيش في العربية.

فلو أنهم خرجوا لا يترتب على ذلك نصر، ولا يوفر ذلك قوة، بل لا يزيدون إلا خبالا، أي فسادا واضطرابا في الجيش واختلال نظامه.

ومعنى "أوْضَعُوا" أسرعوا، ويقال هذا في سير الإبل، وينزل فعل أوضع منزلة القاصر ومفعوله معلوم من مادة فعله، وهو في هذا السياق تمثيل لحالة المنافقين في بذل جهودهم لإيقاع التخاذل بين أفراد الجيش، ونشر الأخبار الكاذبة عن قوة العدو بحال من يجهد بعيره بالسير لإبلاغ خبر مهم أو حمل تجارة إلى السوق، ومعنى "خِلاَلَكُمْ" بينكم " يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ" أي يريدون الفتنة ويطلبونها، والفتنة هي اختلال النظام والاضطراب وفساد الرأي.

" وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ" يدل هذا على وجود فريق من بين المسلمين سماعون لهم يصدقون ما يسمعونه من كلام المنافقين، كما يمكن أن يكون منافقون مبثوثون بين المسلمين للجوسسة، ومعنى هذا أنه نشر للفتنة، وربما تنطلي على فريق من المسلمين السذج حيلهم، ويتأثرون بشائعاتهم ولا يميزون التمويه والكيد من الحق والصدق؛ وجاءت صيغة "سماعون" للدلالة على أنه استماع تام يعقبه اعتقاد ما يسمع، فهم جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم، ويرى جمهور المفسرين أن معناه: وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم، وجاء حرف "في" دون حرف "من" للدلالة علة أن السماعين فريقان فريق من المؤمنين، وآخر من المنافقين المبثوثين بين المؤمنين لإلقاء الأراجيف والفتنة.

 " وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ " هذا إعلام للمسلمين بأن الله يعلم أحوال المنافقين الظالمين ليحذروهم، وأن الاستماع لهم ضرب من الظلم.

48- {لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}: إن ابتغاءهم الفتنة عادتهم من قبل، كما فعلوا يوم أحد إذا انسحب عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين، لإلقاء الخوف والفوضى في صفوف المسلمين، " وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ " أي بحثوا وتجسسوا للاطلاع على وضع المسلمين وتبليغه لأعدائهم، ودبروا المكائد والحيل، وأبدوا ما كان خفيا وأخفوا ما كان ظاهرا كقولهم "قلب له ظهر المحن" إلى أن جاء الحق وانكشف أمر المنافقين، وقوي المسلمون، وظهر أمر الله بنصر المسلمين بفتح مكة، ودخول الناس في الإسلام أفواجا، وهو ما يكرهه المنافقون، والمقصود بالظهور والنصر والغلبة، وأمر الله دينه، أي لما جاء الحق علموا أن فتنتهم لا تضر المسلمين.

49- {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}: استأذن بعض المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن تبوك، ولم يكن لهم عذر، ولكنهم قالوا إن الخروج إلى الغزو فتنة لهم لتعلقهم بأهليهم وأموالهم ففضح أمرهم وظهر نفاقهم، وقيل: إن الجد بن قيس قال: يا رسول الله لقد علم الناس أني مستهتر بالنساء فإني إذا رأيت نساء بني الأصفر "الروم" افتتنت بهن، فأذن لي في التخلف ولا تفتني، وأنا أعينك بمالي." أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ " أتى بأداة الاستفتاح "ألا" للتنبيه على أن حالهم عجيب إذ عاملهم الله بنقيض مقصودهم، أرادوا النجاة من الفتنة فوقعوا فيها.

فكان ما وقع، أشد مما حذروا منه، فإن أرادوا فتنة سوء السمعة بالتخلف فقد وقعوا فيما هو أعظم وهو افتضاح أمرهم في النفاق، وتحيط بهم جهنم لوقوعهم في الكفر الذي يؤدي إلى جهنم.

50- {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ}: تبين هذه العبارات ترددهم، فإن انتصر المسلمون وهو المراد بالحسنة استاءوا وخافوا وإن أصابتهم مصيبة وهي هنا الهزيمة ابتهجوا وقالوا قد احتطنا لهذا قبل، وكنا يقظين حازمين وكنا مستعدين، فلم نقع في المصيبة، ورجعوا مسرورين بسلامتهم وإصابة أعدائهم، وهذا شأن المنافقين.

51-{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: هذا جواب لقولهم: " قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ" لما فرحوا بما ينال المؤمنين من مصيبة، لأن المسلمين لا يكترثون بالمصيبة ولا يحزنون، لأن ما يصيبهم بتقدير الله لمصلحتهم ونفعهم، وكتبه لفائدتهم، إن العدو يفرح لمصاب عدوه، لينكده ويحزنه، فإذا علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحزن لما أصابه زال فرحهم وفي هذا تعليم للمؤمنين بأن يتخلقوا بهذا الخلق، فلا يحزنهم ما أصابهم لئلا يضعفوا، رضا بما قدر الله لهم ورجاء لرضاه، ليقينهم أن الله ينصر دينه، فهو مولاهم لا يكتب لهم إلا ما فيه خيرهم آجلا أو عاجلا ولا يرضى لهم إلا ما يعود عليهم بالخير، فعلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك، ولا يتوكل هو والمؤمنون إلا على الله معتمدين على فضله لا على نصرة هؤلاء المنافقين.

52-{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}: أي لا تنتظروا من حالنا إلا حسنة عاجلة أو آجلة، أما نحن فننتظر أن يعذبكم الله في الآخرة أو في الدنيا أو بعذاب في الدنيا بأيدينا أسرا وقتلا إذا أذن الله بجهادكم، واستعمل الاستفهام في النفي، وفي هذا معنى التوبيخ لهم، وأنهم مخطئون في تربصهم، فلا يتربصون بالمسلمين إلا أن يقتلوا أو يغلبوا أي إحدى الحسنين، والتربص هو الانتظار لحصول شيء، فهناك بون شاسع بين الفريقين في عاقبة الحرب في حال الغلبة والهزيمة، ومعنى "تربصوا" التحضيض على الانتظار الدال على عدم الاكتراث بتربصهم.

وفي جملة " إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ" تفيد التهديد لهؤلاء المخاطبين.

53-{قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ}: هذا جواب لبعض المستأذنين من المنافقين فسواء أنفقوا أموالا عوضا عن الغزو، أو خرجوا وأنفقوا فلا يقبل منهم سواء كان عن طواعية أو كراهية، لأنهم قوم ثبت فسقهم أي كفرهم، والمقصود تأييسهم من الانتفاع بما يمكن أن يبذلوه من أموال.       



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5213