عيد العلم في رحاب مسلمي فرنسا..
التاريخ: 23-7-1438 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


بعيدا عن ضوضاء الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية، التي تصم الآذان، وعلى هامش ما يحدث من دموع، ودماء، ودمار، في بعض البلدان، وفي غفلة من آثار، طرد السلطات الفرنسية للمفكر الإسلامي السويسري هاني رمضان، بعيدا عن كل هذا، جاء عيد العلم لدى مسلمي فرنسا، فسيفسائي الأطباق، متعدد القناعات، متنوع الألوان.



فقد احتفل مسلمو فرنسا، بعيدهم العلمي الرابع والثلاثين هذه، فصادف يوم العلم الذي تحييه الجزائر كل سنة في منتصف أفريل، وتحديدا يوم السادس عشر منه.

امتد المنتدى السنوي لمسلمي فرنسا هذه السنة من 14 – أفريل -  إلى 17 – أفريل، وهو تجمع يتميز، باستقطاب كل مسلمي فرنسا في تظاهرة ثقافية، اقتصادية، تجارية، تتخذ متنفسا لكلّ أطياف المجتمع الإسلامي، الأوروبي، بحيث يمثل هذا المنتدى، متنزها، يجد فيه الأطفال والشباب، والكهول، والشيوخ، نساء ورجالا، عبق الجو الإسلامي، الذي يفيض علماً، ويشع روحانية، ويتجسد اقتصاداً ومعاملة.

تميز اللقاء السنوي لهذه السنة بمجموعة من الخصائص، لعلّ أبرزها، تخلي مسلمي فرنسا عن وصفهم التقليدي "الجالية الإسلامية" إلى تسميتهم، بمسلمي فرنسا. لقد وعى المسلمون في فرنسا، أنهم، بما قدموا من تضحيات بالأنفُس والأنفَس، في سبيل حماية فرنسا وإنقاذها من براثن الغزو الأجنببي، والتخلف التنموي، ليسو أقلية، كباقي الأقليات التي تعيش، على هامش الحياة.

إنّ مسلمي فرنسا، بما أسهموا به من أجل البناء، يعتبرون أنفسهم، جزء لا يتجزأ من النسيج الفرنسي، يجب أن يتمتعوا بحق المواطنة، وواجبات المواطن.

وهكذا استقطب المنتدى قامات علمية وفكرية، تمثل معظم اتحاد الأمة.

كانت الانطلاقة من يوم الجمعة 14 نيسان وتحديدا من مسجد اتحاد المنظمات الإسلامية بضاحية "لاكورونف"، حيث غصّ المسجد بالمصلين، رجالاً ونساءً، وأقيمت الجمعة بإمامة كل من المفكر الإسلامي المتميز الدكتور عصام أحمد البشير، والشيخ أنيس قرقاح مدير الدراسات، بالمعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية.

كانت خطبة الإمام الدكتور عصام البشير جامعة مانعة، انطلقت من مفهوم الرشد والرشاد، والترشيد، تأصيلا وتأويلا، وتنزيلا على واقع مسلمي فرنسا، ليستخلص الخطيب منها، مقاصد العلم في شموليته، والواقعية في موضوعيتها، والتسامح في قيمته وإنسانيته، والحب في سموّه ونبله.

وقد وجّهت الخطبة جملة من الرسائل إلى كل أبناء مسلمي فرنسا، مهيبة بهم إلى الأخذ بزاد العلم الدقيق والعميق، القائم على الفهم الصحيح، والتطبيق الفصيح، والسلوك المليح والمريح.

وخلص الإمام الخطيب، إلى أنّ ترشيد الحياة الإسلامية، هو المفتاح الحقيقي لتقديم الإسلام إلى الناس، في وجهه الناصع، للمساهمة في بناء المجتمع الفرنسي الأفضل، الخالي من التعصب، والعنصرية، وكل مظاهر الإقصاء والإلغاء.    

إنّ خطبة الجمعة هذه، قد كانت المقدمة السليمة، التي انطلق منها رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا، لدى افتتاحه بعد ذلك للمنتدى السنوي لمسلمي فرنسا، حيث أكد بدوره، على أبناء ملته في فرنسا، لم يعودوا جالية، أو أقلية، وإنما أصبحوا جزء، لا يتجزأ من النسيج الفرنسي، ضمن حركة جمعوية بلغ عددها لسنة ملايين نسمة، من مجموع السكان الذين بلغ عددهم ستين مليون نسمة.

كما يحظى مسلمو فرنسا بأكثر من ثلاثة آلاف مسجد ومصلى، تضم باريس وحدها أكثر من خمسمائة مسجد ومصلى. كما يسهم المسلمون في فرنسا توفير اللحم الحلال برأس مال قيمته أكثر من 04 مليار يورو، إلى جانب عدد المدارس والثانويات المسلمة الحرة التي بلغت 23 مؤسسة، كما لهم 3 كليات لتخريج الأئمة.

إنّ هذه الأرقام ذات الدلالة العميقة هي التي حدت بالأستاذ عمار الأصفر إلى القول، بأننا نملك كل مقومات المواطنة اقتصاديا، وثقافيا، وسياسيا.. مما يجعل منا مواطنين كاملي الحقوق، ولا نرضى بأن نكون أقلية أو جالية تعيش على الهامش.

ثم توالت - بعد الافتتاح الرسمي- مختلف أنواع المحاضرات، والموائد المستديرة التي شملت كل مجالات الحياة الإسلامية في فرنسا مثل المحافظة والتغيير، والمسلمون والجمهورية، والواقع الفرنسي بين الإثراء المتبادل، أو الانغلاق على الذات، وموضوع إصلاح الفرد، إلى جانب قضايا أخرى بالغة الحساسية مثل موضوع المرأة، ضمن الفضاء الأسري، وموضوع الشباب، ضمن منتدى الجيل، وكل ذلك تم ضمن جو روحي إسلامي يحفّه القرآن، ترتيلا، وحفظا، ومدارسة، ضمن مسابقات قرآنية هامة.

أما عن الشخصيات المحاضرة، فقد تنوعت من حيث الانتماء الجغرافي، والتخصص المعرفي، وكلها ذات كفاءة علمية عالمية من أمثال، عصام البشير (السودان)، وعبد الله بن منصور (المغرب)، وعبد الحميد يويو (المغرب)، وعبد القادر سماري (الجزائر)، وأحمد جاب الله (تونس)، وعبد الرزاق قسوم (الجزائر)، وعميد كلية الدعوة بليبيا (الدكتور صالح)، وأحمد منصور من قناة الجزيرة، وغيرهم كثير ممن لا يمكن حصرهم.

لقد سجل العرس الثقافي العلمي، الذي أقامه مسلمو فرنسا، هذه السنة، حدثا بالغ الأهمية، في عيد علمهم السنوي، الذي خطف الأنظار من الاهتمام السياسي إلى الاستقطاب العلمي، وهو الوسام الذي يعلقه القائمون على تنظيم مسلمي فرنسا على جبينهم.

فهذا العرس، الذي اشتد ساعده، وامتد جانبه، إنما يقدم درسا جليلا، لباقي المسلمين في العالم، من ضرورة التزام حسن التنظيم وحكمة التقدير، وواقعية التعليم، وهو يمكن من ربط العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم، على أساس الاحترام، ونبل القيم، وتقديم الوجه الصحيح للإسلام، الباني للحب، والتسامح والسلام. 



27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5221