رحــلة الإســـراء والمعـــراج
التاريخ: 29-7-1438 هـ
الموضوع: معالجات إسلامية


بقلم الشيخ الدكتور/يوسف جمعة سلامة

خطيب المسجد الأقصى المبارك

                         وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق

www.yousefsalama.com

الحمد لله، له أسلمت، وبه آمنت، وعليه توكلت، والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد؛



 يعيش المسلمون في هذه الأيام في ظلال ذكرى الإسراء والمعراج، فحادثة الإسراء والمعراج ليست مجرد واقعة تتناولها الأقلام كحدث تاريخي مضى وانقضى عهده، أو معجزة لرسول انفصلت بزمانها عن واقعنا المعاصر، وإنما هي معجزة حية باقية يتردد صداها عبر المكان والزمان،
وتستضيء القلوب بنورها الوهَّاج وسراجها المنير، فتسمو بذات المسلم وترتقي به وتفتح أمامه أبواب القُرْبِ من الله سبحانه وتعالى.

الجائـزة الكبـــرى

 لقد كانت حادثة الإسراء والمعراج جائزة كبرى لنبينا – صلى الله عليه وسلم -  الذي صدق ما عاهد الله عليه وأَبَى إلاّ أن يقف صامداً شامخاً أمام قلاع الكفر وعتاة المشركين، ولاقى من الأذى ما لا قِبَلَ  لبشرٍ غيره على تحمله حتى دميت قدماه، وأطلق مقولته المشهورة التي زلزلت أركان الدنيا ( إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي) . 

  لقد جاءت حادثة الإسراء والمعراج بعد  نوازل عظيمة نزلت بالرسول – صلى الله عليه وسلم- وأهمها : فَقْدُهُ  - صلى الله عليه وسلم – في نفس العام - الذي عُرف بعام الحزن- لنصيريْه: في المجتمع (عمه أبي طالب)، وفي البيت  (زوجه خديجة- رضي الله عنها -)، فأصبح الرسول–صلى الله عليه وسلم - بعد موتهما في مكة وحيداً لا يجد أنيساً يسليه داخل البيت ولا نصيراً يحميه خارجه ، فكانت رحلة الإسراء والمعراج تكريماً من الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم-كي يخفف عنه ما قاسى من آلام، وأنَّ الله مع عباده المتّقين.

نتعلم مما سبق وجوب الثقة بنصر الله،  فعندما تشتد الأزمات يكون السبيل إلى الخلاص منها بالثقة في الله سبحانه وتعالى، فما بعد الضيق إلا الفرج، فقد علمنا القرآن الكريم هذه المفاهيم ليؤصل فينا عدم اليأس والقنوط مهما ضاقت بنا السُّبُل. 

فريضة الصلاة في ليـلة الإسراء والمعراج

لقد كانت الصلاة أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات حيث فُرضت في ليلة الإسراء والمعراج في السماء إظهاراً لعظيم شأنها وجليل قدرها وعلوِّ منزلتها، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به لقوله – صلى الله عليه وسلم-: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ)(1)، وهي أول ما يُحاسب عليه العبد كما جاء في قوله- صلى الله عليه وسلم-: (أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلاةُ ، فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ)(2)، وهي آخر وصيّة وصّى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمته عند مفارقة الدنيا: (الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(3).

الربط بين المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى بمدينة القدس

إن من أهم العظات والعبر المأخوذة من رحلة الإسراء والمعراج هي التفكر في ربط الله سبحانه وتعالى  بين المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى بمدينة القدس، فهذا الربط لم يكن عبثاً ولكنه إشارة وتنبيه لهذه الأمة بضرورة المحافظة على المسجد الأقصى المبارك لِمَا لَهُ من القدسية عند الله سبحانه وتعالى، وقد تجلى ذلك الربط في أمور عديدة، منها:

* لقد ربط الله –سبحانه وتعالى- بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك برباط وثيق في الآية الأولى من سورة الإسراء:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(4).

* كما ربط رسولنا -صلى الله عليه وسلم- المسجد الأقصى المبارك بشقيقيه المسجد الحرام والمسجد النبوي، فقد جاء في الحديث الشريف: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ- وَمَسْجِدِ الأَقْصَى"(5).

* لقد كان المسجد الأقصى المبارك القبلة الأولى للمسلمين منذ فُرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج حتى أَذِنَ الله بتحويل القبلة إلى بيت الله الحرام، كما جاء في الحديث الشريف: عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-  يقول: "صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ "(6).

* كما أن المسجد الأقصى المبارك هو ثاني مسجد بُنِيَ في  الأرض بعد المسجد الحرام، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: "قلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ مَسْجدٍ وُضعَ في الأرْضِ أوَّل؟ قَالَ: "اَلْمسجِدُ الْحَرَامُ"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "اَلْمَسجِدُ الأقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيه"(7).

القدس والأقصى ... في ذكرى الإسراء والمعراج

 ونحن في هذه الذكرى نناشد أبناء الأمتين العربية والإسلامية وأحرار العالم ألا ينسوا مدينة القدس، هذه المدينة التي تتعرض يومياً لمذبحة إسرائيلية تستهدف الإنسان والتاريخ والحضارة، لذلك يجب عليهم ضرورة المحافظة عليها  وحماية مقدساتها، ودعم صمود أهلها المرابطين فيها .

إن مدينة القدس مهوى أفئدة المليار ونصف المليار مسلم في جميع أنحاء العالم ، وكذلك ملايين المسيحيين في شتى أنحاء المعمورة، لذلك فإن الواجب عليهم جميعاً  ألا يتركوا  هذه المدينة المقدسة وحيدة أمام الهجمة الشرسة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي  صباح مساء.

فالقدس لا يمكن أن تُنسى أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخطَّط المحتلون الذين يسعون لطمس طابعها العربي الإسلامي، ومحو معالمها التاريخية والحضارية وتحويلها إلى مدينة يهودية، ففي كل يوم تدفن جرافات الاحتلال الصهيوني جزءاً عزيزاً من تراثنا، كما تتهيأ معاول الهدم لتقويض جزء جديد، إنهم يريدون لمدينة القدس أن تندثر وأن يندثر أهلها ، ولكن القدس يجب أن تبقى ، فليس في العالم قاطبة مدينة تثير الخواطر مثل مدينة القدس التي وصفها ابنها أبو عبد الله المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم "، بأنها " أجل المدن قاطبةً، لأنها مهبط الوحي ومدينة الأنبياء ، ومجتمع الدنيا والآخرة" ، هذه العبارات على إيجازها ، تختصر تاريخاً ممتداً طوله أكثر من أربعة آلاف سنة ، شهدت المدينة خلالها أمماً وحضارات، وتعاقب عليها أفواج من الغزاة والطامعين.

  ومن المعلوم أن الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى المبارك  تسير بوتيرة متسارعة، فمن اقتحامات يومية لساحاته، إلى حفريات وشقّ أنفاق وإقامة كُنُس أسفله وفي محيطة، ووضع كاميرات مراقبة على سوره وفي ساحاته، وعملهم المستمر لتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً حيث تعمل سلطات الاحتلال جاهدة لفرض سيطرتها عليه،بالإضافة إلى القرار الباطل الذي أصدرته محكمة الصلح في مدينة القدس المحتلة بأن المسجد الأقصى مكان مقدس لليهود، وهو أقدس مكان لهم ويحق لهم الصلاة فيه، وكذلك مخططهم الإجرامي لبناء ما يُسَمّى بالهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى المبارك لا سمح الله.

لذلك فإننا  نناشد جميع الأطراف الدولية والمحلية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية والمؤسسات التي تختص بالمحافظة على الأماكن الأثرية والتاريخية والدينية في العالم،  بضرورة التصدي والتدخل من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الآثار والمقدسات الإسلامية، كما نطالب منظمة اليونسكو بتحمل مسؤوليتها بضرورة حماية الآثار الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، كما ونناشد المؤسسات العربية والإسلامية بضرورة المحافظة على التاريخ العربي والإسلامي للمدينة المقدسة من خلال المحافظة على مقدساتها، وآثارها .

 إن مدينة القدس  بحاجة إلي خطوات فعلية تُساهم في المحافظة على عروبتها وإسلاميتها ودعم صمود أهلها ومساعدتهم في البقاء على أرضهم، والصمود أمام المحاولات الإسرائيلية التي تهدف إلي اجتثاثهم وترحيلهم، وذلك بإقامة المشاريع الإسكانية داخل المدينة المقدسة وترميم البيوت، ودعم المستشفيات والمراكز الصحية والجامعات والمؤسسات التعليمية، والوقوف مع التجار الصامدين وسدنة وحراس المسجد الأقصى المبارك،  كي يبقوا مرابطين فوق أرضهم المباركة محافظين على الأقصى والمقدسات.

نسأل الله أن يحفظ مقدساتنا وأمتنا من كل سوء

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

 

الهوامش:

1- أخرجه الترمذي.        

2- أخرجه مالك في الموطأ.            

3- أخرجه ابن ماجه.    

4- سورة الإسراء الآية (1).

5- أخرجه البخاري.               

6- أخرجه مسلم.          

7-  أخرجه البخاري.                       



23



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5222