التجربة التركية
التاريخ: 29-7-1438 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


انتصار آخر في تركيا صنعه الشعب التركي على اختلاف توجهاته بعد إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة بالانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، ويبدو أن قاطرة تركيا تسير قدما نحو تغيير حقيقي محفوف بتحولات واقعية كبيرة وبتحديات ليست بالسهلة، ولعل أهم الملاحظات التي نخرج بها من درس الإقرار الشعبي الأخير للتعديلات الدستورية ما يلي:



- ردة فعل الأوروبيين عموما الذين يزعمون أنهم ديمقراطيون لم تكن متجانسة مع ما تعودنا سماعه منهم فيما يخص مسألة حرية التعبير وحق الشعوب في اختيار من يحكمها وحق إقرار النظام الذي يسيرها ما دام أن الصندوق النزيه هو الفيصل في هذه المسائل، ولكن بدا واضحا أن الغرب بشكل عام لا يؤمن بالديمقراطية أبدا حين تفرز صناديقها النزيهة ما يخالف عقائده ومصالحه، وهذا ما أكدته كثير من التجارب في العالم الثالث، فالغرب لا تهمه الديمقراطية كمبدإ في البلدان الأخرى وإنما تهمه مصالحه وأن لا يظهر اتجاه متحرر منه يدعو إلى العودة إلى أصوله ويملك برنامجا شاملا للنهضة والإنعتاق من قيوده...

- يظهر بوضوح أن القيادة التركية وعلى رأسها الرئيس"أردوغان" عازمة رغم كل التحديات الداخلية والخارجية على السير نحو تغيير شامل مدروس ومخطط له لإعادة إحياء أمجاد الخلافة العثمانية أو بتعبير آخر تحويل تركيا إلى دولة قوية لها كيان يختلف عن الكيان الأوروبي من حيث الهوية والتوجهات العقدية وتملك اقتصادا يؤهلها لتكون مكتفية ذاتيا وقوة عسكرية يُحسب لها ألف حساب، والظاهر أن هذا الأمر أكثر ما يقلق أوروبا وخصوم "أردوغان"...

- الظاهر أن كثيرا من "الإسلاميين" -خاصة الذين يختلفون مع أردوغان وحزبه فكريا - غير منتبهين لخطورة الصراع الحضاري الدائر في تركيا التي عاشت بعد سقوط الخلافة الإسلامية ردة عامة حولتها في سنوات قليلة إلى دولة علمانية أدارت ظهرها للعالم الإسلامي وتوجهت نحو الغرب خاطبة وده ورغم كل ما فعله كمال أتاتورك والذين جاءوا من بعده من تلاميذه إلا أن أوروبا المسيحية لم ترض عن تركيا العلمانية لأن غالبية شعبها بقي متمسكا بإسلامه، فما بالك والتحول الجديد في تركيا يهدف إلى تأسيس نظام ديمقراطي جديد بعباءة إسلامية سنية...

- بعض خصوم أردوغان "الإنسان" أو التجربة الديمقراطية في تركيا يتحججون بأن التعديلات لم يقرها الشعب التركي بأغلبية كبيرة، وأن الرافضين لها من حيث العدد يكاد يقارب عدد المقرين للتعديلات، والحق أن هذه النتيجة تؤكد أمرين:

1- أن الحزب الحاكم مؤمن بالديمقراطية وقابل لنتائجها مهما تكن، وانتصاره بدون أغلبية كبيرة وبدون تزوير ممارسة صحية وتجربة محترمة...

2- أن الرافضين للتعديلات كانوا قادرين على مقاطعة الانتخابات رغم أن سبر الآراء أكدت أن احتمال تزكية التعديلات أكبر من احتمال رفضه مما يؤكد أن الشعب التركي بمختلف توجهاته أصبح يؤمن بأن الديمقراطية هي الطريقة الحضارية للتعبير عن الآراء والفصل في المسائل المختلف عليها...

إن التجربة التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان تجربة انسانية رائدة إن نجحت سوف تفتح آفاقا جديدة في العالم الإسلامي وتكون متنفسا للمستضعفين في الأرض في المرحلة القادمة، ولله الأمر من قبل ومن بعد. 



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5227