نريد نواباً.. لا نوائب... !
التاريخ: 29-7-1438 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


يعيش البعض – هذه الأيام- في الشرق والغرب معا، على وقع اصطكاك الضروس، واضطراب النفوس، وبعثرة الجهود والفلوس. وما ذلك إلا بسبب الحملة الانتخابية الدائرة، رحاها، من أجل الاستحقاقات.



والانتخابات في كل بلدان العالم، سلاح ذو حدين، كالنهر الجارف، يمكن أن يحمل السمك اللذيذ، كما يمكن أن يحمل الحوت الأكول، فبإرهافنا للسمع لبعض تجارب العالم، في الانتخابات تختلف الوقائع، والنتائج، بسبب تباين البرامج والمشاريع.

فعندما أخضعنا للتحليل والتعليل، التجربة التركية الأخيرة في الانتخابات من أجل تغيير الدستور، هالتنا نسبة الفوز الضئيلة، كما هالتنا نسبة المعارضة الثقيلة، وازداد إعجابنا وتعجبنا، حين علمنا، أنّ نسبة الفوز الضئيلة تعود إلى القائمين على تنظيم الانتخابات والماسكين لسدة الحكم، الآمرين والناهين، وهي نقطة إيجابية تسجل لهم، لأنها تدل على حياديّتهم، ونزاهتهم في سير الانتخابات وإفراز النتائج.

وعندما نستمع بإمعان إلى ما يدور من حولنا في فرنسا، ونعرض على شاشة العقل، فصول الحملة الانتخابية بين مختلف المتسابقين للظفر بمنصب الرئاسة، يتجلى لنا، كيف أنّ الحملة لا تركز على الماديات، وإنما هي تركز على السياسيات.. ويؤلمنا أن نكون الجامع المشترك الأسفل بينهم جميعا هو الإسلام، والجزائر، والجالية المسلمة، وربطها عنوة بالإرهاب.

إنّ هذه العنصرية الإسلاموفوبية التي تلون الحملة الانتخابية الفرنسية، إنما تعطي للانتخابات، لونا لا إنسانيا قبيحا، يُترجم عن مدى الحقد الدفين، الذي تكنه فرنسا بيمينها ويسارها، للإسلام والمسلمين، بما يؤكد أنّ الصفحة الاستعمارية لن تطوى وأنها ستورث للأجيال الصاعدة.

فإذا عدنا إلى واقعنا الوطني، خرجنا بملاحظة وهي أنّ الانتخابات، في مفهوم عامتنا، توشك أن تصبح كالألفاظ المهملة بلا معنى. ذلك أنّ الانتخابات، عند رجل الشارع قد صارت ناقصة الدلالة، لأنّ ظاهرها المعلن هو حسن التسيير، وحلم التيسير، لكن باطنها يحتمل التزوير، وسوء التقرير.

فقد ارتبطت الانتخابات – لسوء الحظ-بالتجارة، فشاع عنها – بيع وشراء الذمم، والمساومة بمصائر الأمم، والسطو علنا، على كل القيم.

ولكي نمحو هذه الصورة البشعة عن الانتخابات من مخيلة المواطن، علينا أن نجتهد في تقديم صورة مغايرة عنها، يجب أن يكون الصندوق شفافا، يشع بالنزاهة والنقاهة، وينبض بالعدل والفضل، ولا يضيق بالمعارض أو المناهض، فكل من يفرزه الصندوق العادل الشفاف، هو نائب بحق حتى ولو كان غائبا.. فإن لم يفعل الصندوق ذلك، فسيحيد عن رسالته النبيلة فيُخرج لنا النوائب، والنائبات ويا لها من رذيلة !

أن النيابة – طبقا لنص الدستور- ووفقا لطموح الجمهور، هي نبض بمشاعر الأمة، وفيض من طموح المهمة، ووساطة بين الجماهير والقمة، فماذا أكسبتنا التجارب من كل هذا؟ فهل درى النواب السابقون بهذه الرسالة؟ وهل كانوا جديرين بهذه الوكالة؟ ماذا حققوا – بعهداتهم السابقة – للمستضعفين؟ وهل اصطفوا – في مواجهة الحكام – إلى جانب المحكومين المظلومين؟

إنه ليؤلمنا، أن يكون نوابنا محل سخرية شعبية، فاقدين للاحترام، إذ تحول النائب في البرلمان "في الأدب الشعبي" إلى "النايم في بر الأمان".

إن من  المساهمة في محو هذه الصورة القبيحة المجحفة في حق النواب ، أو على الأقل في حق بعظهم، هو أن تعمل الاستحقاقات القادمة، على أن ينبثق الفائزون من الصندوق الشفاف بكل حرية، ليعكسوا طموح الأمة بكل جدارة واستحقاق، فيكونوا نوابا عن الأمة لا نوائب عليها.

إن الخوف ليتملكنا، ونحن نتابع فصول الحملة الانتخابية الدائرة في بلادنا، خصوصا من خلال الشعارات المرفوعة، فنلاحظ أنها حبيسة الماديات كمحاربة الغلاء، والكفاح ضد البطالة، والعمل على توفير السكن للمحتاجين، وهي كلها مطالب مشروعة يقرها كل عاقل ، ولا يضيق بها أو يتنكر لها إلا جاهل.

ولكن في وطننا قضايا مصيرية ذات ذنب طويل، ولعل أبرزها، هذه الذبذبة العقائدية التي تستبد بشبابنا وهي ذبذبة تبدأ برفض الدين الصحيح لتنتهي إلى التطرف القبيح والتعصب الكسيح. ثم ما موقف المرشحين من هذه الرطانة اللغوية، وهذه اللغة المرقعة التي أصابت الجنان واللسان في الإنسان، فشوهت المحيط والمخيط؟ ثم ما هي أساليب معالجة هذا العنف المادي والمعنوي الذي استبد بالألسنة والعقول فتجلى في اختطاف الحرائر والفحول، واغتصاب الأبكار والبتول؟ فأين حملتنا الانتخابية من كل هذه الآفات؟ وأين برامجها المستقبلية من كل هذه التحديات؟

ثم ما هو الموقف الصريح والفصيح من هذه المنظومة التربوية السجينة داخل الانسلاب والتي ما فتئت تبحث لها عن المخارج والأبواب .. فهي في ظلامية أيديولوجية، في حاجة إلى نور الأصالة الحضارية، وشعاع المعرفة الوطنية، ونبل القيم الإنسانية..

ما هو –إذن- موقف نواب الأمة القادمين من كل هذه القضايا العاجلة والآجلة؟

ثم لماذا لم يحدثونا عن المدارس القرآنية حتى لا ننساها، فهي صمام أمان الجزائر وحماها، وهي روحها وتقواها.

فماذا أنتم فاعلون، يا نوابنا بالقوة إزاء هذه الضجة التي تحيط بها؟ والمؤامرة التي قد تحاك ضدها؟

لهذه العوامل كلها طالبنا ولا زلنا نطالب بأن يفرز لنا الصندوق الانتخابي الحر الشفاف، نوابا لا نوائب، وفرق بين الفئتين. 



27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5231