بعد خيانة أوروبا لقيمها، هل تصبح كندا نموذجا للديمقراطية الحقيقية؟
التاريخ: 7-8-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


منذ أن أوصت لّجنة "برنار ستاسي" التي شكلها الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في تقريرها النهائي في 11ديسمبر 2003، بحظر الحجاب في المدارس الحكومية، ومصادقة البرلمان على حظر الحجاب في بداية 2004، ثم حظر النقاب في الأماكن العامة عام 2010، أصبح الزي الإسلامي في الدول الأوروبية يتعرض إلى  حرب قانونية حقيقية امتد تأثيرها إلى بقية الدول الأوروبية. 



ففي مساء الخميس الماضي ( 27 أفريل 2017)، أقر البرلمان الألماني قانونًا يفرض  حظرا على الموظفات الحكوميات ارتداء النقاب في أماكن العمل.

في منتصف شهر مارس الماضي ( 2017) أعلنت محكمة العدل الأوروبية أن المؤسسات يحق لها أن تحظر ضمن قانونها الداخلي أي إبراز أو ارتداء لرموز سياسية أو فلسفية أو دينية، للحفاظ على حياديتها وفق شروط.

ويمكن القول إن بداية الألفية الثالثة الميلادية تميزت بتصاعد الإسلاموفوبيا، وربما تكون هجمات 11 سبتمبر 2001 على رموز القوة الاقتصادية والعسكرية في أمريكا قد عجّلت بتفشي هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية، لكن هاجس الخوف من الإسلام وتأجيج الكراهية ضد المسلمين لم يختف أو يضعف مع تقادم العهد على ذلك الحدث المروع، لكنه يسجل انتشارا مقلقا في الأوساط الشعبية والرسمية معا.

ومع بداية شهر أكتوبر 2013 صادق البرلمان الأوروبي على قرار يعتبر الختان بمثابة "انتهاك للسلامة الجسدية للأطفال"، ودعا الدول الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد من يمارسون ختان البنات والأولاد لأنه يمثل عملية تشويه واعتداء على سلامة الجسد، حسب توصيف النواب الأوروبيين.

واللافت للانتباه أن أقوى ردّ على هذا القرار صدر من الدولة الإسرائيلية، حيث اعتبر المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية بأن ختان الذكور "هو عادة دينية منذ قديم الزمان لديانتين مهمتين هما اليهودية والإسلام"، واعتبر أن مقارنة ختان الذكور بختان الإناث من قِبل البرلمان الأوروبي ينمّ عن "جهل صادم"، وطالب بسحب القرار الذي يدعم الكراهية والاتجاهات العنصرية في أوروبا.

ورغم رد الفعل القوي والسريع للدولة اليهودية على القرار الأوروبي، على عكس الموقف الهزيل والسلبي للدول الإسلامية، فالواضح أن المقصود به كان الدين الإسلامي وممارسات المسلمين على وجه الخصوص، والدليل على ذلك أن مانويل فالس وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، قال في ردّ فعله على قرار البرلمان الأوروبي "إن أكبر التحديات بالنسبة لفرنسا وأوروبا هو إدماج الإسلام". وقد أظهر استطلاع للرأي أن حوالي 70% من الفرنسيين يمتلكون تصورا سيئا عن الإسلام، ولذلك لم يعد غريبا في مثل هذا الجو الموبوء بالكراهية أن تحصل زعيمة حزب الجبهة الوطنية، مارين لوبان، على ثاني أعلى نسبة من أصوات الناخبين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية وأن يصبح حزبها السياسي ( الجبهة الوطنية) القائم على معاداة المهاجرين والتحريض على كراهية الإسلام، هو القوة السياسية الأولى في فرنسا.

وفي هولندا ركز زعيم حزب الحرية اليميني المتطرف خيرت فيلدرز المعادي للمسلمين، حملته للانتخابات التشريعية في مارس الماضي، على الهجوم على من سماهم " الحثالة المغاربة" قائلا إنه يريد إنقاذ البلاد منهم "لإعادتها إلى الشعب الهولندي". واعتبر أن الإسلام هو "أكبر خطر يواجه هولندا"، مضيفا: "مستقبل بلادنا في خطر.. الإسلام والحرية لا يجتمعان".

وفي بريطانيا- بلد الحريات وحقوق الإنسان- أظهر استطلاع للرأي أن أكثر من ربع البريطانيين الشباب يعتقدون أن بلادهم ستكون أفضل من دون المسلمين، كما أن 60% منهم يعتقدون أن الرأي العام في بلادهم يحمل صورة سلبية عن المسلمين. كما كشفت مجلة بريطانية أن من يعتنقون الإسلام يتعرضون لضغوط بسبب التكيف مع حياتهم، لاسيما في ظل اتهامات توجه في كل فترة لأشخاص مسلمين.

وفي المجر، وهي دولة من شرق أوروبا، كانت تنتمي سابقا إلى الكتلة الاشتراكية، يوجد 72% من المجريين يرفضون دخول أي مسلم إلى بلادهم، وهي النسبة الأكبر في أوروبا.

وهكذا بدأت الإسلاموفوبيا تتحوّل من توجه عنصري تتبناه أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، والتي ارتفع رصيدها الانتخابي في العشرية الأخيرة بسبب ضغوط الأزمة الاقتصادية وتوجيه اللوم والكراهية إلى المهاجرين، خصوصا من ذوي الأصول العربية والديانة الإسلامية، إلى سياسة تتبناها بعض الحكومات والهيئات الرسمية الأوروبية، وأصبح الكثير من السياسيين المنتمين إلى الأحزاب السياسية التقليدية الكبيرة والديمقراطية في أوروبا يزايدون بورقة الإسلاموفوبيا على عناصر اليمين المتطرف في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة. وإذا كان ضعف العالم الإسلامي وتشتت دوله وانغماس الكثير من أتباعه في مستنقع الخلافات المذهبية والصراعات الطائفية قد أضفى على آفة الإسلاموفوبيا الخطيرة والهدامة طابع العنصرية العادية التي يتعايش معها الأوروبيون بلا حرج، فإن تسامح أوروبا الرسمية وتهرّب عناصر النخبة الأوروبية من مفكرين وصحافيين وكتاب وساسة من التنديد بهذه الظاهرة والتصدي لها، قبل أن تستفحل في كل مظاهر وميادين الحياة الأوروبية وتترسخ في الأذهان والسلوكات، فإن القيم الأوروبية التي ضمنت الازدهار والكرامة للفرد الأوروبي هي التي ستتعرض لخطر التفكك والزوال نتيجة الانحطاط الأخلاقي والعمى الحضاري.

لقد عالجت أوروبا مشاعر الكراهية لليهود واضطهادهم والتمييز العنصري ضدهم بإصدار تشريعات صارمة، وتجريم الممارسات والأفكار اللاسامية، فهل سيأتي يوم تجرم فيه الممارسات والدعوات الإسلاموفوبية؟

ولعل هذا ما أدركته في الجانب الغربي من المحيط الأطلسي الدولة الديمقراطية الكبيرة كندا، المملكة الدستورية ذات النظام البرلماني، حيث أقر مجلس العموم الكندي في شهر مارس الماضي ( 2017 ) بتشجيع كبير من حكومة رئيس الوزراء جاستن ترودو مشروع قانون يمهد الطريق أمام إجراءات مستقبلية من أجل محاربة ظاهرة الخوف من الإسلام أو معاداة الإسلام.

ويدعو مشروع القانون الذي تم إقراره بسهولة الحكومة إلى "إدراك الحاجة للقضاء على المناخ العام المتزايد من الكراهية والخوف" ولإدانة الإسلاموفوبيا وكل أشكال العنصرية والتفرقة الدينية الممنهجة".



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5235