مختصر تفسير ابن عاشور208
التاريخ: 7-8-1438 هـ
الموضوع: خواطر


62- {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}: يحلف هؤلاء المنافقون جميعا بالأيمان الكاذبة، فلا ينبغي تصديقهم فهم يريدون أن يبرئوا أنفسهم مما يبلغ المسلمين من أقوالهم وتصرفاتهم التي تؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم لإرضائهم، وكان يغضي عن ذلك ويصفح، فالله ورسوله أحق بأن يرضوهما بالإيمان بالله وبرسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهما، والتعبير بقوله: "أَن يُرْضُوهُ إِن" بالضمير المفرد بقصد عوده إلى أول الاسمين، والعطف عطف جمل، أي والله أحق أن يرضوه ورسوله أيضا إيجازا، فالضمير عائد إلى اسم الجلالة، وقوله: " إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ " فعليهم أن يرضوا الله ورسوله، ويفهم منه حثهم على الإيمان، وتوقعه.



63-{أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}: استفهام إنكاري وتشنيعي، والمعنى ألم يعلموا شأنا عظيما وهو أن محادة الله وعداوتهم له ولرسوله عاقبته نار جهنم، والخزي بالذل والهوان.

64-{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ}: حذر المنافقون جذر استهزاء، لأنهم لا يؤمنون أن القرآن من عند الله، فأوحى الله إلى رسوله أنهم يظهرون الإيمان للمسلمين استهزاء بهم فيما بينهم، وأن الله يوحي إليه بما يخبره بحقيقة أمرهم في سورة من سور القرآن ويظهر سرائرهم وما يخفون من كفر ومكر.

65- {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}: إذا سئل المنافقون عن أحاديث مريبة تجري في مجالسهم أجابوا بأنه لعب وخوض في المزح فأمر الله رسوله أن يجيبهم بحقيقة حالهم بالاستفهام الإنكاري التوبيخي بأن لعبهم الذي اعترفوا به ما هو إلا استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كاذبون في دعواهم أنه مجرد لعب ومزاح.

66- {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}: اعتذار المنافقين عن مناجاتهم المؤذية وأنها غير جدية وإنما هي مزاح غير مقبول فإن الله كشف مقصدهم من الاستهزاء والسخرية بهذا الدين، وبينت هذه الآية عدم جدوى اعتذارهم، فقد ارتكبوا ما هو أشنع من هذا الاعتذار الكاذب، وهو الكفر بعد إظهار للإيمان كذبا ونفاقا، فأمر الله رسوله أنه لا جدوى من هذا الاعتذار الكاذب، وهذا الإيمان الصوري، وأنبأه بأن طائفة منهم يعفو الله عنها بعد إيمانها وطلبها العفو، ولكن تبقى أخرى مصرة على الكفر فليس لها إلا العذاب بسبب إجرامها وهو الإصرار على الكفر، وقد آمن بعض المنافقين بعد نزول هذه الآية مثل مخشي بن حمير الأشجعي لما سمع هذه الآية فتاب من النفاق وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليمامة.

67-{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: وضع المنافقين يستوي فيه الذكور والإناث، وبينهم صلات وثيقة، وفعلهم فعل الشياطين يأمرون بالمعاصي والكفر، وينهون عما عرف من الدين من القيم التي ارتضاها الله، كما عرفوا بقبض الأيدي، أي الشح على الفقراء، ونسيان الله أي الإشراك به، والإعراض عن مرضاته، وذلك هو النسيان، فنساهم الله أي حرمهم مما أعده للمؤمنين، فهم الفاسقون حقا الخارجون عن كل صلة بدين الله لبلوغهم الغاية في الفسوق.

68- {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}: الوعد أهم من الوعيد، أما الوعيد فهو خاص بما يضر والدليل على أن المراد به الوعيد قوله: " نَارَ جَهَنَّمَ " وأضيف الكفار للدلالة على أن المنافقين ليسوا أهون من المشركين فهم مشتركون في الكفر.

وحسبهم جهنم وكافيتهم، خلودا فيها، مبعدين عن رحمة الله وينالهم غضبه وعقابه وهم الطائفة التي أصرت على الكفر.

69-{كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}: هذا التفات وهو مخاطبة المنافقين بعد الإخبار عنهم بضمير الغيبة بقصد التهديد بالموعظة وتذكيرهم بالغرور بما أمهلهم الله من عقابه، وأن عاقبة ذلك حبط أعمالهم وإبطالها دنيا وآخرة، والخسران، فهم كالذين من قبلهم مصيرهم إلى النار كمصير عاد وثمود ممن يعرف العرب قوتهم، ويضربون بهم الأمثال، وكانوا أقوى منهم وأشد عزة وغلبة عددا وعُددا، وكثرة الأموال والأولاد، وخصوبة الأرض للزراعة والرعي ووفرة التجارة وقربها من البحار للسفر للتجارة، وصيد البحر وما إلى ذلك من المعادن والتوابل، وقوة أبنائهم الجسمية وسلامتهم من المجاعة لحسن المناخ وملاءمته.

فاستمتعوا ونالوا ما يشتهون من اللذات والحظوظ . والخلاق هنا هو الحظ من الخير، واستمتع هؤلاء المنافقون أيضا بالخيرات، كما استمتع الذين من قبلهم، وهذا تذكير لهم وموعظة، فلا يغترون بهذا الاستدراج والإمهال وخاض هؤلاء المنافقون في الكفر والاستهزاء بآيات الله ورسوله كما خاض من كان قبلهم فيوشك أن يحيق بهم ما حاق بالأقوام قبلهم من الهلاك.

70- {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: الاستفهام تقريري فإنهم كانوا على علم بتاريخ من قبلهم، وقد سبق الكلام على قوم نوح وعاد وثمود، وقبيلة مدين وأماكن إقامتهم، وسبق الكلام عنهم، والمراد بالمؤتفكات أي القرى التي خسف بها، كانت مساكن قوم لوط مثل سدوم، وعمورة، وصبويم في منطقة الأردن، قرب البحر الميت، أتتهم رسل بالحق فكذبوهم، فظلموا أنفسهم، بالعناد والمكابرة فأخذهم الله أخذا وبيلا، وما كان الله ليظلمهم، فاستحقوا الخسف والدمار.

71- {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: في هذه الجمل بيان للحمة والصلة الوثيقة والولاء بين المؤمنين، ولاية الإسلام من التناصر والإخلاص، يقومون بكل الطاعات المفروضة، ولذلك استحقوا رحمة الله ورضاه، فالله بعزته ينصر أولياءه، ويضع الجزاء بحكمته، لمن يستحقه.

72- {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: هذا تذكير لوعد الله لهم في القرآن، وبتحقيقه وأن لهم هذه المساكن طيبة طاهرة، والعدن هو الخلود والاستقرار، أما رضوان الله فهو أكبر وأعظم من ذلك كله، وزيادة الألف والنون يدل على قوته مثل الغفران والشكران، لأنه من قبيل السعادة الروحانية التي هي أعلى وأشرف من السعادة الجسمانية، هذا كله هو الفوز العظيم.

73- {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير}: هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بجهاد هؤلاء المنافقين المعاندين الذين لم يرتدعوا وكشفت دخائلهم ومكرهم، وعناد الكفار لإلقاء الرعب في قلوبهم، ولكسر شوكتهم، ويبدو أن المقصود بالجهاد بالنسبة للمنافقين هو المقاومة بالحجة مع اختلاف آراء المفسرين في نوع هذا الجهاد وفيه الأمر بالغلظة عليهم، فلم يبق مجال للتسامح معهم، كما كان الأمر من قبل ومصيرهم بئيس ليذوقوا وبال أمرهم.

74- {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}: يحلفون على تصلبهم من طعونهم بالإيمان الكاذبة ولذلك جاء الأمر بجهادهم للإشارة إلى أن ما يتنصلون به تنصل كاذب لا يوثق به، وتأكدت كلمة الكفر منهم بعد أن أظهروا كاذبين أنهم أسلموا، وعزموا على ما لم يحصلوه من الفتك بالرسول صلى الله عليه وسلم والترصد له في طريقه من تبوك، فصاح بهم حذيفة بن اليمان، فهربوا، وما كان امتعاضهم واستنكارهم، وهو النقم، ذا جدوى لأن الله أغناهم بفضله بأسباب الرزق، وبالأمن فانتفت الضغائن، وسادت الأخوة بعد الحروب والنزاع بين الأوس والخزرج.



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5236