الانتخاب ... والاكتئاب
التاريخ: 7-8-1438 هـ
الموضوع: الدكتور عبد الرزاق قسوم


ليس من أدبيات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين حشر الأنف السياسي، في فلسفة الأحزاب، والمناصب والمكاسب، سواء تعلّق الأمر بشؤون وطننا أو شؤون وطن غيرنا، فنقطة القوة في جمعية العلماء، استقلاليتها الفكرية، وحياديتها الإيجابية.

ولقائل أن يقول، وما لنا والسياسة الفرنسية في الانتخابات؟ إن لسان السياسة الغربية أعجمي، ولسان جمعية العلماء عربي إسلامي.



إن اهتمامنا بالانتخابات الفرنسية يأتي أولا من اهتمامنا بشؤون المسلمين، ومن لم يهتم بأمر المسلمين، فليس منهم. كما يأتي ثانياً من الخطاب العنصري الاستفزازي الذي يبعث به الخطاب السياسي الفرنسي، بمختلف توجهاته الإديولوجية، ضد الإسلام، والجزائر، والمسلمين، وقيم الحرية الإنسانية، التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان، وكل الأديان، وكل الأوطان.

فما يكون لنا، أن نطأطئ الرأس، عندما نلاحظ أن جزءاً عزيزاً من وطننا يسام الخسف، ويعاني القصف، ويهدد بالنسف! فالخطاب اليميني المتطرف، الذي -نحن أول من عانى ويلاته وتبعاته، أثناء ثورتنا- يجب أن يحجب عن الإنسان والإنسانية، لأنه خطاب لا إنساني، وبالتالي فعلى كل إنسان عاقل أن يقف ضد، وأن يحشد كل الطاقات لهدمه وردمه.

من هذا المنطلق، ينبع إذن، انشغالنا بهذا الانتخاب الفرنسي، الذي إن لم يتصد له عقلاء قوم عندهم، يوشك أن يقود إلى الانتخاب، والاكتئاب، والاضطراب، وسوء المصاب.

فإذا عدنا إلى حملة الانتخابات عندنا، وتولي الأحزاب أمرنا، فإن استقلاليتنا تتجسد أكثر، لأن جمعية العلماء المسلمين هي أم معظم هذه الأحزاب، وهي الحاضنة لكل الأفكار الجيدة، عبر كل الأحقاب، ومن هنا يحق للجمعية أن تقدم كل النصح والترشيد، وأن تنبّه كل من قد ينحرف أو يحيد عن الخط السديد.

فليس من الخروج عن ايجابياتنا، ولا المساس باستقلاليتنا، أن نؤكد على القيم التي ينبغي أن يتقاسمها كل جزائري وطني مخلص مع ما تنادي به جمعية العلماء. وإن من القيم التي تؤكد عليها ما يلي:

1-    أن لا يتحول الانتخاب إلى اكتئاب، أو إلى انتحاب، سواء في كيفية تسيير عملية الاستحقاقات، أو عند إعلان الفرز واختيار الفائز، بعيداً عن الأهواء، والميول والرغبات.

2-    أن استقلالية الإدارة، هي نقطة القوة فيها، فإذا كانت جمعية العلماء تعتبر نفسها حليفاً لكل فائز، فإن الإدارة الوطنية يجب أن يصبح أمر كل من يفرزه الصندوق الشفاف، هو الحائز وهو الجائز.

3-     أن الانتخاب مدرسة عالية المعاني والمغاني، في منطلقها ومصبها، تقدّم للناس ثقافة الديمقراطية الصحيحة، وفلسفة أدب الاختلاف العفيفة، ولذا ينبغي أن يتحلى بها كل ذي وطنية صحيحة، وكل إداري ذي ذمة نظيفة.

في ضوء هذه المبادئ والقيم، ينبغي أن يمكّن كل مواطن من أداء دوره، حسب قناعته، حتى ولو كان من دعاة المقاطعة..

إن ما يجب أن يدركه القائمون على الشأن الوطني في بلادنا، أن هناك تراكمات عديدة، استبدت بعقول بعض المواطنين، وخاصة الشباب، الذين أظلمت –سبب الظلم والحرمان- أعينهم وعقولهم، فهم يلجأون إلى اليأس والقنوط، فنراهم يأوون إلى الموت في البحار أو التطرف، في اتخاذ الدين كستار، أو الانتقام بالعنف، ضد كل الأخيار، بمد اليد إلى الأشرار.

كيف نخرج هؤلاء اليائسين البائسين من قنوطهم، بإعادة شعاع الأمل إلى قلوبهم، وزرع التفاؤل في عقولهم، وميولهم؟

ليس الأمر بالهيّن! وما التحدي بالليّن! والمطلوب، هو أن نحسن الإصغاء لكل الفرقاء، وأن تغير إزاءهم منهجية الأداء، وأن لا نعتبر كل من خالفنا، هو في زمرة الأعداء.

إن البناء الوطني، ينبغي أن يتم بمختلف أحجاره، وأن نحسن الإصغاء أيضاً لأخياره، ونتقن التعامل مع ما قد نعتبره من أسراره.

وإن كل أحجار الوطن صالحة للبناء، وكل ما في الأمر، يجب أن يقيض الله لها المهندس الحكيم، والبنّاء السليم، والمقاول  العظيم.

إن الانتخابات التي نحن مقبلون عليها هي امتحان مصيري عسير، لذا ينبغي أن نتخذها محطة تحول كبير، فكلما تنوعت أطياف الفائزين من حيث الكفاءة أولاً، ومن حيث الوطنية ثانياً، ومن حيث النزاهة ثالثاً، كلما ضمنا مستقبل الوطن، عن استحقاق وجدارة، فتقلل بذلك، من احتمال الإفلاس والخسارة.

غير أن ما نلاحظه، على الساحة العامة يختلف تماماً عن هذه المسلّمات في القناعات، فلا زلنا نعتبر الناصح المخالف لأطروحتنا، خصماً، يجب أن نعاقبه بكل ألوان التضييق، فنحيطه بكل أنواع التحقيق، ونمنع عنه حتى حقه في الرزق، والعيش، والتنسيق.

إننا نريد في ظل هذه السلبيات التي يعيشها وطننا أن تتخذ من الاستحقاقات القادمة، مقدمة لبناء مصالحة حقيقية، يجد فيها كل مواطن، وكل وطني، مكانته اللائقة به في البناء، ولن يتأتى هذا كله، إلا بتحلي كل من تسند إليه مسؤولية ثقافة المواطنة الصحيحة، والأخلاق الوطنية الصريحة، لن يستطيع أن يتعامل مع الجميع، انطلاقاً من المصارحة، والمصافحة، والمصالحة، والمناصحة.

فالوطن يعاني اليوم، التقشف في الجيوب، والقحط في القلوب، ولا يعلم مصير ذلك كله إلا علاّم الغيوب.

هل نستيقظ -ولو على وقع الأخطاء- ؟ وهل نستفيد من دروس الماضي فنعود إلى الاهتداء والاقتداء؟

إن الوطن يتسع لكل أبنائه، أيا كانت قناعتهم، وأيا كان مذهبهم، وأن الوطن غفور رحيم، والتوبة تجب ما قبلها، فلا نجعل من الانتخاب وسيلة للاكتئاب أو الانتحاب، بل نريده أن يكون مادة لتعميق الانـتماء والانتساب، وفي ذلك فصل الخطاب.



27



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5241