ابن صائد والدجال بين البخاري ومسلم
التاريخ: 13-8-1438 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


        لا تزال أمور الغيب- فيما يُستقبل من أيام- تثير قدرا غير قليل من الجدل بين الفينة والأخرى، وقد رأينا منها ما يمكن وصفه بالفِتن في ثمانينات القرن الماضي، حين خرج في الحرم المكي من ادّعى أنه المهدي المنتظر، وفي التسعينات حين زعم آخرون- و هم كثر- أن صدام حسين أمارة من أمارات الساعة!



 

 

 ومضى كل ذلك ولم يصدق منه شيء، ويبدو أن الأمر قد حدث قريب منه في العهد النبوي بين الصحابة أنفسهم، وساد اعتقاد جازم لدى عمر بن الخطاب وصحابة آخرين بأن ابن صائد- وكان غلاما- هو الدجال نفسه! وأوردنا من قبل خبر حلِف عمر أمام النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وطلبه منه أن يقتله، وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما يفيد عدم علمه بحقيقته، بالرغم من أمارات بدت عليه.

أخرجه مسلم(4/2242) والترمذي(4/516) وأحمد(23/8) عن أبي سعيد الخدري قال: "خرجنا حجاجا أو عمارا، ومعنا ابن صائد، قال: فنزلنا منزلا، فتفرق الناس وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه (من أنه هو الدجال) قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس (قدح كبير) فقال: اشرب أبا سعيد، فقلت: إن الحرّ شديد واللبن حار، ما بي إلا أني أَكره أن أشرب عن يده- أو قال آخذ عن يده- فقال: أبا سعيد لقد هممتُ أن آخذ حبلا فأعلقه بشجرة، ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد من خفي عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي عليكم معشر الأنصار!  ألستَ من أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو كافر، وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل المدينة ولا مكة وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد الخدري: حتى كدتُ أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، قال: قلت له: تبا لك، سائر اليوم".

هذا حديث آخر يوقفنا على ما كان يسود من اعتقاد لدى بعض الصحابة، من أن  شخصا يُدعى ابن صائد هو نفسه الدجال المنتظر، و الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم قومه، ولا أريد الخوض في هذه المسألة إلا من ناحية تعامل كلٍّ من الشيخين مع هذا الأمر، إذ يبدو أن الإمام مسلما حشد في الباب كل ما صحّ عنده من خبر ابن صياد والدجال، أما البخاري فيبدو أيضا أنه كان ينتقي مما يصحّ على شرطه، بحيث يجنِّب ما يثبته ما قد يُعتبر مشكلا في الفهم؟!

ولا شك في أن ما أخرجه الإمام مسلم من خبر أبي سعيد، وفيه ما يُعدّ تقريعا من قبل ابن صياد لأبي سعيد الخدري- العالِم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم-وللأنصار معه، لأن الرجل يرميهم جميعا بالذهول عما عندهم من حديث رسول الله، فالغلامُ الذي لقيه الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مرة- وشكّ في أمره مع أصحابه- قد كبِر، و تزوّج وأنجب، ودخل المدينة ومكة، ولم يُنقل عن أحد أنه مكتوب على جبينه أنه كافر، وليس مصابا في إحدى عينيه، و الذي عند الأصحاب من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعور، وأن كفره مسطّر على جبينه، وأنه لا يستطيع دخول المدينتين!

وتحت باب:" باب: لا يدخل الدجال المدينة" أخرج الإمام البخاري أربعة أحاديث، يجزم فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخل المدينة، وفي أحدها(3/22): "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة".

ونص البخاري في نحو ستة عشر موضعا على أن الدجال أعور، وأنه مكتوب بين عينيه"كافر" خمس مرات، و قد أخرجها كلها مسلم: في أحد عشر موضعا على الأقل أنه أعور- في اثنتين منها أنه ممسوح العين- وفي خمسة أنه مكتوب بين عينيه أنه كافر، و أنه لا يدخل المدينة ومكة في خمسة مواضع من صحيحه.

و انفرد-فيما يبدو- مسلم وأحمد والترمذي بالحديث الذي أوردناه، وبمسألة أن الدجال لا يولد له!

وأخرج أبوداود(4/118)- وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح(13/327)- عن الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر خبر الجساسة وفيه أن الوليد قال:".. فقال لي ابن أبي سلمة: إن في هذا الحديث شيئا ما حفظته، قال: شهد جابر أنه هو ابن صياد، قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات؟ ! قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسلم؟! قلت فإنه قد دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة"؟!

 

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5243