لماذا قاطع الشباب انتخابات 04 ماي 2017 ...
التاريخ: 13-8-1438 هـ
الموضوع: محطات


إن مقاطعة الشباب الجزائري لانتخابات ماي 2017 قضية تستحق منا التوقف عندها، والتأمل فيها، لمعرفة أسبابها والعوامل التي تقف وراءها، وما تخفي من الدلالات، كم أن عدما الالتفات إليها ينجر عنه عدم تمكن السلطة من معرفة الأخطاء التي تورطت فيها، فدفعت الشباب إلى  مقاطعة الانتخابات التي تنظمها وتشرف عليها، وليست السلطة وحدها المدعوة إلى دراسة هذه الظاهرة بعمق وجدية، فأحزاب المعارضة هي الأخرى مطلوب منها أن توليها ما تستحقه من الاهتمام، وأن تعكف على تحليلها، لأن الرسائل التي تتضمنها المقاطعة ليست موجهة إلى السلطة بوجه خاص، بل هي موجهة إلى المعارضة بنفس القدر من الإلحاح، بناء على ذلك، فإن الحاجة ماسة إلى فهم ما تعنيه هذه المقاطعة، وما تريد إن تبلغه لجميع الأطراف ( سلطة ومعارضة ) من رسائل ذات أهمية بالغة، ولعل من أهم الرسائل التي عبرت عنها تلك المقاطعة ما يلي:



ـ إن الشعب لا يريد ديموقراطية واجهات، بل يريد ديموقراطية فعلية، تسمح له بالمشاركة الحقيقية في الحياة السياسية، وتمكنه من المساهمة في بناء الدولة العصرية التي تسيرها المؤسسات لا الأشخاص، التي تكون فيها الكفاءة هي الأساس لتولي المناصب العامة، لا العلاقات الشخصية التي تفرضها المؤثرات العرقية والجهوية.

ـ إن الشعب يريد من السلطة والمعارضة على حد السواء، أن تنظرا إليه بعين الاحترام والتقدير، وأن يرشحا له من يمثله حقا، وليس كل من هب ودب، لأن ترشيح كل من هب ودب لتمثيله، هو تعبير عن ازدرائه، والاستهانة به، واتهامه بقلة التمييز.

ـ إن الشعب يريد من السلطة والمعارضة أن يرفعا من مستوى العمل السياسي، وأن يفتحا المجال للكفاءات السياسية الشبابية، فليس من المعقول أن يرشح للعمل السياسي الذي يعول عليه في إصلاح الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، لأفراد الذين لا يتعدى مستواهم التعليم الابتدائي،أو أميين أصلا، بينما جزائر الألفية الثالثة تزخر بمئات الكفاءات في شتى المجالات، ممن بمقدورهم تقديم إضافة هامة للبلاد.

ـ إن الشعب يريد من السلطة والمعارضة وضع حد لاحتكار المناصب النيابية من قبل أفراد معينين، ويطالب بوضع حد لذلك وفتح المجال لضخ دماء جديدة في الهيكل التشريعي للدولة، فلبس من المعقول أن يبقى النائب قابعا في مكانه لأكثر من عهدتين اثنتين.

ـ إن الشعب ضد تسلُّط المال على السياسة، وهو يرفض أن ترتد الجزائر إلى النظام الإقطاعي، الذي كانت تشترى فيه المناصب بالمال، لأن اعتماد تلك السياسة في تقليد المناصب التشريعية أو كيفما كانت، لا يضمن خدمة حقيقية للصالح العام، فمن يشتري منصبه بحر ماله، يكون همه الأول والأخير، خدمة مصالحه الشخصية، لا الدولة ولا المجتمع.

ـ إن الشعب يريد من السلطة على وجه الخصوص التخلي عن أسلوب غلق اللعب، وأن تفتح المجال للمعارضة للتموقع داخل السلطة، لأنه يرى أن السلطة هي أول المستفيدين من ذلك، فوجود معارضة قوية وحقيقية داخل قبة البرلمان، سيحمل السلطة التنفيذية على أكثر جدية  في تسيير الشأن العام، ويدفعها إلى لزوم الحذر وتجنب الكثير من المغامرات غير المحسوبة، وتلافي الكثير، من الأخطاء القاتلة، فضلا عن أنه يبعث للشعب رسالة طمأنة، على أن هناك في البرلمان من يمثله حقا ويدافع عن مصالحه.

أما فيما يتعلق بالأسباب والدواعي التي كانت وراء هذه المقاطعة فهي تتلخص في الآتي:

ـ إخفاق السلطة والمعارضة في إقناع الشباب خاصة، والمواطنين عامة، بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، وذلك بسبب ما تورطت فيه في الماضيمن تزوير للانتخابات، مما جعل الشعب يوقن أن الاقتراع لا أثر له فعليا فيما تسفر عنه عملية الانتخاب، فدعاه ذلك إلى العزوف عنها وإيثار مقاطعتها.

ـ غياب البرامج الانتخابية للمرشحين مما جعل الشعب يعجز عن المفاضلة بين مرشح وآخر، فرأى أن الأسلم والأصوب أن يقاطع هذه الانتخابات بالمرة، لأنها بالنسبة له لا تعدو أن تكون انتخابات عبثية، لا طائل يرجى من وراءها.

ـ استياء الشعب من ممثلي السلطة والمعارضة الذين وجهوا له إهانات

بالغة،أثناء الحملة الانتخابية، تمثلت في وصف المقاطعين بالـ:" حرايمية " و" عديمي الوطنية" ودعوة بعض من المعارضين إلى إجبار الشعب بالانتخاب ولو بالإكراه، فولد ذلك رد فعل لدى الشعب عبر عنه بالمقاطعة التي فاجأت السلطة والمعارضة.

هذا بعض ما يستنتج بعد التأمل في أسباب ودلالات هذه المقاطعة الانتخابية، التي لم يسبق لها مثيلا في الجزائر، ولاشك أن ما خفي أعظم... 



08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5247