مجازر8 ماي 1945: هل سيمتلك قادة فرنسا شجاعة الاعتراف بالجريمة؟
التاريخ: 13-8-1438 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


رغم صدور العديد من الشهادات والاعترافات من جنود وضباط وسياسيين ومؤرخين فرنسيين سواء أكانوا دارسين أو شهودا أو مشاركين في الجرائم المقترفة من طرف الاحتلال الفرنسي، ومع توفر الوثائق الدامغة والحقائق التاريخية الساطعة عن مسؤولية الدولة الفرنسية عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بصورة مخططة وممنهجة ضد المدنيين الجزائريين، فإن رفض الاعتراف بالجرائم وتقديم الاعتذار والتعويضات اللازمة للضحايا هو استهتار مقصود بالدولة الجزائرية وبشعبها. 



لقد تزامنت الذكرى الثانية والسبعون لمجازر الثامن ماي 1945 مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية في السابع ماي 2017 وتحول ملف الماضي الاستعماري إلى ورقة انتخابية، أو محطة للتوظيف السياسي، حسب نية المرشحين في استقطاب الوعاء الانتخابي، وإذا كان إيمان ماكرون قد تميز بين السياسيين والقادة الفرنسيين بإدانة بربرية جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر. وقال في تصريح له عند زيارته للجزائر في شهر فيفري الماضي، عندما كان مرشحا للانتخابات الرئاسية: "إن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات"، فإن منافسيه اليمينيين في الانتخابات الرئاسية عبروا عن معارضتهم لهذا التوجه لبناء علاقات أكثر إنصافا واحتراما لمعاناة ضحايا الهمجية الاستعمارية، حيث انتقدت مرشحة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان بشدة نظرة الشعور بالذنب لتاريخ فرنسا، واعتبرت استعمار بلادها للجزائر بأنه "فعل حضاري"، وأنها ليست مع واجب التوبة، لأن الاستعمار الفرنسي حسب ادعائها " ترك أشياء جميلة ما زال الجزائريون يتمتعون بها" واتهمت الجزائر بمحاولة إهانة فرنسا عند مطالبتها بتقديم الاعتذار عن ماضيها في الجزائر. بينما قال فرنسوا فيون مرشح الحزب الديغولي الخاسر في الجولة الأولى من الانتخابات: "اليوم لا يمكننا أن نتحدث عن الجزائر كما يتحدث البعض الذين وصلوا إلى غاية الحديث عن جرائم ضد الإنسانية".

لقد استخدمت فرنسا في 8 ماي 1945 نيران أسلحتها البرية والجوية والبحرية لتنفيذ جريمتها النكراء ضد شعب أعزل كان ذنبه أنه حاول مقاسمة الأمم والشعوب الأخرى لحظات الفرح واستعادة الأنفاس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، خصوصا أن أبناء الجزائر المجندين في صفوف القوات الفرنسية ساهموا مساهمة حاسمة في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني النازي.

يقول المرحوم بن يوسف بن خدة، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في كتابه (جذور أول نوفمبر): " بعد عودة الفرقتين الثالثة والسابعة من الجنود القناصة الجزائريين من جبهات القتال في تونس وإيطاليا ومقاطعة ( ألزاس) وألمانيا أصيبوا بخيبة أمل عميقة حين تبين لهم أن تضحياتهم إلى جانب فرنسا قد ذهبت سدى. وهالهم منظر قراهم المدمرة والمحروقة وعائلاتهم المنكوبة، وما أصاب ذويهم من خراب، وما تعرض له إخوانهم وأخواتهم وأزواجهم من قصف مدفعي من طرف المرتزقة الأجانب...يومها أسفرت الحقيقة عن وجهها البشع أمام أغلبية المجندين وتبين لهم أن ما أبلوه من بلاء حسن على جبهات الحرب في إفريقيا وأوروبا وتحت ظلال الراية الثلاثية الألوان لن يخلصهم أبدا من وضعيتهم كقوم مستضعفين ينظر إليهم " كوقود للحرب" ليس إلا..ويضيف "والجدير بالذكر أن مختلف المناطق الجزائرية التي كانت تشهد انتفاضات منعزلة في الماضي، عبرت لأول مرة منذ سنة 1830 بصورة جماعية عن مشاعرها المعادية للاستعمار..إن الحداد العام الذي ألم بالشعب الجزائري سيكون بمثابة الخميرة التي فعلت فعلتها عقدا من الزمن، وأججت مشاعر الغضب في قلوب الجزائريين الذين نجوا من المذبحة ومهدت الطريق لأول نوفمبر".

وإذا كان الاحتلال الفرنسي قد تفوق في هذا اليوم المشؤوم على أساليب القمع النازي بإطلاق العنان للتدمير العسكري وتشكيل مليشيات مسلحة من طرف المستوطنين، وتنفيذ الإعدامات الجماعية والاعتقالات التعسفية والتعذيب الوحشي واستخدام حتى أفران الغاز وقنابل النابالم، فإن الجنرال شارل ديغول قائد فرنسا الحرة وبطل التحرير اعتبر هذه الإبادة الجماعية مجرد عملية للحفاظ على النظام، وكتب إلى الحاكم العام للجزائر "إيف شاتينو" رسالة يؤكد فيها: " عزم فرنسا المنتصرة على عدم السماح بأي مساس بالسيادة الفرنسية في الجزائر". وقد استشاط غضبا عندما أبلغ السفير الأمريكي في القاهرة الأمين العام للجامعة العربية عزام باشا بأن عدد ضحايا حوادث ماي 1945 قد بلغ 45 ألف ضحية، واعتبر ذلك بمثابة تدخل أجنبي في قضية داخلية.

لقد صدق العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله- الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عندما كتب بخصوص مجازر الثامن ماي 1945  " لو كان تاريخ فرنسا كتب بأحرف من نور ثم كتبت في آخره هذا الفصل المخزي بعنوان سطيف قالمة خراطة لطمس هذا الفصل التاريخ كله"،.

والسؤال المطروح هو: هل سيمتلك قادة فرنسا شجاعة الاعتراف بالذنب، وتخليص الضمير الفرنسي من أخطاء وآثام لا تمحى إلا باعتراف واعتذار شاملين وكاملين عما حدث، يكونان دليلا صادقا وقاطعا على أن جريمة القوة، وقهر الاستعمار ليست جديرة بالتمجيد ولا تتحول أبدا إلى علامة فخر في تاريخ أمة مهما كانت، بل تظل دائما مجرد عار في سجل البشرية؟!



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5251