ليلة القبر الأولى
التاريخ: 20-8-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


 رأيت من المناسب أن أذكّر نفسي وإخواني المؤمنين في هذه الجمعة بليلة القبر الأولى ، تلك الليلة المتفردة المتميزة عن باقي الليالي ، موعد لن يُخلفه أحد في إقامة من نوع غير معهود ، وقد ألفنا النزول بفنادق عالية الجودة والبيوت المضيافة ، فما شأن تلك الليلة ؟ لقد ألهانا التكاثر ، اشتغلنا بالدنيا حتى التخمة ، اشتغل بها الغني والفقير والقوي والضعيف والكبير والصغير والمثقف والعامي فكادت تستعبدنا جميعا لأنها أصبحت في قلوبنا لا في أيدينا ، وكم من مسلم اتخذ المنصب ربا فاتخذه المنصب عبدا ، وكم من مؤمن لم تعد المواعظ تزكي نفسه أو ترقق قلبه لأنه انقطع عن الاستعداد ليوم المعاد ، يؤمن بالموت والقيامة نظريا ولا يستحضرهما في حياته اليومية ... هل يبقى هكذا حتى يحتضنه القبر ؟

عبد العزيز كحيل



 

فليتصوّر كل منا ليلته الأولى تحت أطباق الثرى ، يخرج المشيعون ويخيم الصمت على المقبرة ويجنّ  الليل ، ولأول مرة في حياته يستقبله وهو وحيد بين جداريْن يُحاصرانِه وسقف يلامسه وهو مسجى في ثوب لا علاقة له بما كان يرتدي من ثياب ناعمة ربما كان يتحرى فيها آخر الصيحات وأغلى الأسعار، وحيد لا زوجة معه ولا أولاد ولا من كان يأنس به ، في مكان ضيّق مظلم ليس فيه كهرباء ولا سرير و لا مبرّد ولا كتاب ولا جريدة ولا هاتف و لا فيسبوك ، بلا لباس نومه ... إنه وحده معه ما قدّم من عمل : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم " – سورة الأنعام 94

أجل ، ليس حال الناس نمطا واحدا في القبور ، " أفنَجعل المسلمين كالمجرمين " ؟ - سورة القلم 35 ،  والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حُفر النار ...لكن ما شأنك أنت هناك وأنت تعرف تقصيرك وقلة زادك ؟ يكفي أن في ليلة القبر الأولى  " ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ " ( حديث صحيح رواه احمد ) .

أتدري من يستقبلك هناك ؟ لعلّك اعتدت حفاوة المضيّفات ؟ لا ، إنهما الملَكان اللذان يقومان بالتحقيقات الأولى معك ويطرحان الأسئلة الجوهرية عن عقيدتك وإيمانك بربك ودينك ونبيّك ، فهل تثبت عند السؤال وتهتدي إلى الردّ الصحيح ؟ تظنّ الأمر بديهيا ؟ ألست في الدنيا ترتعد أمام المحقق و القاضي والمسؤول وتتلعثم ؟ -  " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " – سورة ابراهيم 27.

وتلك الليلة ليلة الحسرة وذلك القبر مكان الندم ، هناك تتبددّ الشكوك وتنتفي الأوهام ويجد الانسان مصيره حتميا لا مفرّ منه ، يكون اللحد لَيلَتِئذٍ قطعة من الجنة أو من  النار ، تفتح لهذا كوّة يرى منها مقعده في الجنة ويطلّ الآخر على مقعده في النار ، فكم من متحسّر حينئذ !

-         " يوم يتذكر الانسان وأنى له الذكرى ، يقول يا ليتني قدمت لحياني " – سورة الفجر.

-         " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين " – سورة الزمر

-         " قال ربي ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " – سورة المؤمنون

لست في حاجة – أيها المؤمن - إلى دروس ومواعظ لتصحح المسار وتبادر إلى أسباب النجاة ، فقط تصوّر نفسك في ليلة قبرك الأولى ، حين تبدأ حياة البرزخ وأنت تسمع خُطى المشيعين وهم يغادرون المقبرة بعد أن دفنوك وفي حفرة تركوك ، وبعد حين سيطويك النسيان مهما كان بعضهم يحبونك ويتعلقون بك ، تبقى وحدك لا أحد معك سوى عملك ، وعن العمل نتكلم لأنه بيت القصيد بعد فضل الله ورحمته ، فماذا تقدم الآن لتلك الليلة ولما بعدها ؟ 

أيها المسؤول هل تخدم الناس من موقعك وتقيم العدل فيهم وتتفانى في خدمتهم ؟  أم أنك تخدم نفسك ولا تبالي بالأمة ووضعها وحقوقها  ؟

أيها التاجر هل أنت صدوق أمين أم انك محتكر للسلع غاش في بضاعتك تنغص على الناس حياتهم ؟

أيها الإنسان هل تتحرّى الحلال في حياتك أم لعلّك تعيش من الرشوة والاختلاس وأكل أموال الناس بالباطل ولا تبالي ؟

لعلّلك ظالم تؤذي أهلك وجيرانك وزملاءك ؟ تصطفّ مع المعتدين ، تبارك تسلطهم وتلعن ضحاياهم ؟ تزوّر وتحرّف وتفسد ؟

وأنت أيتها المرأة هل أنت طاهرة متعففة حييّة تلتزمين أمر ربك في بيتك وبين الناس ، تنحازين للفضيلة والخلق الرفيع ؟ أم أنك تساهمين بلباسك وسلوكك في انتشار الرذيلة والفاحشة والانحلال الخلقي ؟

إننا نسال الله العافية والستر والثبات لنا ولجميع المسلمين ونرجو أن نكون من الذين تتحوّل لهم تلك الليلة إلى نعيم فيه السعة والحفاوة وأهٌل خيرٌ من الأهل ودارٌ خيرٌ من الدار ، وإنما يكون ذلك لأصحاب القلوب النقية السليمة والأعمال الصالحة الذين قضوا حياتهم في طاعة الله ، يعبدونه ويتبتلون إليه ويتقربون ، ويرحمون عباده من الضعفاء والمحتاجين والمرضى والمعوقين والمبتلين ، يساعدون ماديا ومعنويا ، ينفقون ، يرحمون من بكى ويمسحون دمعة من اشتكى.

أخيرا ، أهي بعيدة تلك الليلة ؟ وذلك القبر ؟ قال تعالى " إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا " – سورة المعارج

وكم من فتى منعّم بين أهله       والموت أقرب إليه من شراك نعله

 

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5258