أزمة وعي...
التاريخ: 20-8-1438 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


نعمة العقل لا يجحدها إلا امرئ بهيمي الهوى ولا يجلّها سوى أهل الرسوخ في العلم، والبون شاسع بين من يمشي من أجل بطنه، ومن يمشي على رجلين مُقَدِّرًا مواضع خَطْوِه بتشغيل آلة التفكير التي كُرِّمَ بها، ومن يكاد يمشي على أربع مَثلُه كمَثل العير في البيداء يقتلها الضما والماء فوق ظهورها محمول… 



ولا يكون من زمرة العاقلين العارفين الشاكرين مَنْ سخر هذه النعمة الجليلة التي آتاه ربُّه ليهلك الحرث والنسل وينشر في أفانين الأرض الفساد، وإذا قيل له: لا تفسد في الأرض، قال:إنما أنا من المصلحين، وأخذته العزة بالإثم..!

الإبداع الفكري الحر في كل الميادين منطلق هام لبناء الحضارة، وأي أمة عَدِمَت الحرية و حُوصرت في سَمِّ الاستبداد والقهر لن تستطيع الخروج من ظلمات الجهل والتخلف إلى نور الرقي والتقدم، ولا يمكنها التحول من سيطرة الاستعباد والحَجْرِ إلى سعة العزة والكرامة والاستقلال الـتَّام ..

 إنني أتابع باهتمام مكتشفات الغرب العلمية والمخترعات الحديثة في مجالات تكنولوجية كثيرة، فالعقل الغربي لا يؤمن بالمستحيل، فهو يفتح العنان لفكره حتى يُبْدِع ويأتي بالجديد الذي صَعُبَ الإتيان به على الأوائل والأواخر.!

إن هؤلاء القوم لم يكتفوا ببلوغ السحاب والسير في دروب القمر حتى أرسلوا مراكبهم الفضائية إلى المريخ ليتحسسوا من أخباره، ولم يكتفوا بصناعة الجواري المنشآت في البحر كالأعلام حتى انطلقوا غائصين في أعماق المحيط ليكتشفوا أغواره، ويفقهوا أسراره، ويُسَخِّروا ما يخرج من بطنه من أنواع الخيرات ليزدادوا قوة إلى قوتهم..ورحم الله الإمام ابن الجوزي الذي قال من قرون ناصحا الأمة الإسلامية كي تكون سبَّاقة في كل ميدان، وإلى كل فضل: "ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصوَّر للآدمي صعود السموات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تُحصَّل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض".  

قال الشيخ محمد الغزالي في كتابه (مشكلات في طريق حياتنا الإسلامية) معلقا على كلام الإمام ابن الجوزي –رحمهما الله تعالى-:"وابن الجوزي من علماء القرن السادس الهجري ولو رأى المسلمين الآن في عصر الفضاء ينظرون إلى غزاة الجوِّ ببلاهة لحمل السوط و جلد به الظهور، ولبرَّأ الإسلام من هذا الانتماء المخزي"!!!

 أجل، كيف السبيل إلى إعادة مجد الأمة الإسلامية التليد في عَصْرٍ كل مخترعاته جَادَت بها عقول الغرب وصنعتها أيديهم، وفي المقابل نجد في زاوية من زوايا المكتبة في البلاد الإسلامية مهندسا أو طبيبا أو صيدلانيا أو فيزيائيا أو كيميائيا مشغولا بالرد على المعتزلة والجهمية وباقي الفِرَقِ المنقرضة منذ قرون خَلَت !؟

 

 



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5259