"ترامب" في فلسطين
التاريخ: 20-8-1438 هـ
الموضوع: مساهمات


الرئيس الأمريكي الجديد سيبدأ أجندته الدبلوماسية بالقيام بزيارة دولة إسرائيل في فلسطين المحتلة، ثم يعرج إلى المملكة العربية السعودية. زيارة كهذه بعد استقباله لرئيس الوزراء الإسرائيلي "نتانياهو"، ثم للملك "عبد اللـه الثاني" ملك الأردن، ثم للرئيس "عبد الفتاح السيسي" رئيس مصر، وأخيرا للرئيس الفلسطيني "محمود عباس" – زيارة كهذه – كان من المفروض أن ينتظر منها الكثير وخاصة وأنه – الرئيس "ترامب" – قد تعرض في بلاده لموجة احتجاجات ما زالت متواصلة، فهو خلال المائة يوم التي قضاها رئيسا حاول أن يظهر بمظهر الرئيس القادر على حل مشاكل العالم بداية من الشرق الأوسط الذي بادر منذ البداية إلى استعمال القوة العسكرية ضد جيش النظام السوري باعتباره في نظره قام باقتراف جريمة حرب باستعماله للسلاح الكيمياوي ضد شعبه في "شيخون". هذا يعني أن الصورة التي يريد العالم إلصاقها به كعنصري ولا سامي ليست هي الصورة الحقيقية له؛ فالرجل المعروف عنه جهله بالسياسة عامة وبسياسة بلاده الخارجية خاصة سيحاول أن يثبت العكس بهذه الزيارة، عدا إذا ما كان "نتانياهو" سيواصل تعنته لإذلاله وإهانته وكشفه على حقيقته.

محمد الحسن أكيلال



المفروض، لو أن "نتانياهو" يتحلى بأخلاق القادة الكبار الذين يعترفون بالجميل ويمسكون باليد الممدودة إليه بحرارة وحميمية لتفهم حاجة "ترامب" إليه في هذه الزيارة، لكنه للأسف الشديد ولسوء حظ "ترامب" ستكون زيارته كعدمها لأنه سيعود بخفي حنين ويضطر إلى الكذب ككل سابقيه ويعلن للملإ أن أسباب فشل الزيارة يعود إلى القادة الفلسطينيين المساكين الذين ما زالوا ينشرون ثقافة الكراهية والعنصرية ضد اليهود، وبالتالي سيحول الضغط الذي كان يجب أن يمارسه على "نتانياهو" إلى السيد "محمود عباس" الذي لا حول ولا قوة له، وهو يحاط بمعارضة شديدة من طرف الأغلبية الساحقة من شعبه ومن كثير من فصائل المقاومة.

 

"نتانياهو" يعرف جيدًا أن السيد "ترامب" الذي يبدأ زيارته للمنطقة بفلسطين المحتلة، يكون محملا بكثير من الأفكار التي حمله إياها ولي عهد المملكة العربية السعودية ثم الملك "عبد اللـه" والرئيس "السيسي" وبعدهم الرئيس "عباس"، وهي كلها أفكار تخدم المصالح الإستراتيجية العليا للولايات المتحدة الأمريكية ومن ضمنها الإسرائيلية، لكنه من جهة أخرى يعرف أن هذه الأفكار رغم وجاهتها لا تخدم برنامجه الانتخابي ووعوده لليمين المتطرف الذي لا يريد حلاّ للقضية الفلسطينية إلاّ بطرد كل الشعب الفلسطيني من كل فلسطين.

السيد "ترامب" الواثق من نفسه، وخاصة بعد استعادته لثقة المملكة العربية السعودية من بلاده وسياسة إدارته الجديدة لحاجتها إلى الإبقاء على التحالف الإستراتيجي بينهما ضد إيران وبعد استعادة النظام المصري لنفس الثقة يكون مطمئنا لأفكاره التي بناها على أساس المباحثات التي أجراها مع هؤلاء، وأنه لا يحتاج إلى كثير عناء في التوسل إلى "نتانياهو" لقبول وجهة نظره الخاصة بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وللصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هذا الحل الذي سيساعد إدارته وبلاده وحتى شخصه في الظهور بمظهر رجل السلام عكس سلفه "أوباما" الذي كرم بجائزة "نوبل" للسلام دون مبرر ولا أهلية لذلك.

إن السيد "ترامب" المحمل بوعده بتحويل سفارة بلاده إلى القدس، وبموافقة المملكة العربية السعودية على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبالضمانات المصرية الأردنية على مواصلة وقوفهم إلى جانب تأمين دولة إسرائيل ضد كل الأخطار ومن أية جهة كانت، كل هذه الهدايا وقبلها ما أخذته دولة إسرائيل في عهد "أوباما"، من أموال وأسلحة، وهو ملزم بتسليمها شاء أو أبى. كل هذا وكل التوسل الذي سيبديه لـــ "نتانياهو" خلال المباحثات ومع ذلك لا شك أنه سيعود من الزيارة خائبا، ويضطر إلى الضغط على خادم الحرمين الشريفين "الملك سلمان" عند زيارته للملكة ليخطو بعض الخطوات إلى الأمام تجاه تطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل، والسعي لدى أنظمة عربية أخرى لإقناعها بضرورة هذا التطبيع لإزالة الخوف من إسرائيل والقبول بإيجاد حل، أي حلّ للقضية الفلسطينية.

السيد "ترامب" أمام امتحان صعب، فهو رجل الأعمال ذو المنطق العملي والمدافع الشرس على مصالح بلاده، والمفروض أنه قبل برمجة الزيارة إلى دولة إسرائيل أن يكون قد استشار الكثير من الرجالات من "المحافظين الجدد" وقادة جمعية "إيباك" اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي يفترض أن يفرض رأيه الذي هو رأي بلاده التي عملت منذ أكثر من عقدين على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وهذا من شأنه المحافظة على سمعة وهيبة بلاده كقوة عظمى تحكم العالم وتفرض احترام السلم والأمن في المعمورة، وهذا لا يتم دون إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وإذا فشل في إقناع "نتانياهو" بوجوب الانصياع بقبول مقترحاته، فإنه لا شك سيمضي كل عهدته في تتالي وتوالي الإخفاقات على جميع الأصعدة.

مجيء "ترامب" إلى البيت الأبيض في هذه الظروف التي يعرفها العالم أجمع، والكثير من هذه الظروف تتضمنها المخططات التي أعدتها مؤسسات بلاده الإستراتيجية، فهو بهذا يقود هذا العالم إلى تحولات عميقة قد تحمل في طياتها نذر أخطار على السلم والأمن الدوليين، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط والأقصى، وأخطر بؤر التوتر التي يمكن أن تكون الشرارة للانفجار هي في الشرق الأوسط وسببه لاشك هو دولة الكيان الصهيوني كما يعرف الكثير من واضعي المخططات الإستراتيجية الأمريكية، ولذلك على السيد "ترامب" أن يبرهن على قدرته فعلا على قيادة بلاده لهذه التحولات وبذكاء خارق وإيقاف "نتانياهو" ومن وراءه اليمين المتطرف الذي يحكم دولته عند حدّه لأن الصبر الذي أبداه الشعب الفلسطيني خلال أكثر من سبعة عقود ضد الاحتلال الصهيوني لا يمكن أن يستمر لسبعة عقود أخرى، ووضع السلطة الفلسطينية في الموقع الحالي الذي لا تحسد عليه يفرض على الشعب الفلسطيني إزاحته ووضع بديل عنه لا يسمح بما يجري حاليا في الأراضي المحتلة، والذي لا يمكن أن يتقبله الضمير الإنساني والرأي العام العالمي، وستكون الولايات المتحدة عاجلا أو آجلا مدانة من طرف كل المجموعة الدولية لكونها شريكة لدولة الكيان الصهيوني في كل الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها ضد الشعب الفلسطيني وكل المنطقة.







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=5260